
أحياناً لا تكون أهمية السؤال في مضمونه فقط، بل في توقيته أيضاً.
وهذا تحديداً ما يستوقفني في مقال آرون ماغيد في مجلة Foreign Policy، الذي حمل عنواناً لافتاً: “أين الملك عبدالله؟”.
فالمقال نُشر في 24 آب/أغسطس الجاري، وهو اليوم الأخير من زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، حيث كان في بكين يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ، ويبحث معه سبل تعزيز العلاقات بين البلدين، بالتزامن مع توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات اقتصادية واستثمارية وسياحية وتكنولوجية.
هنا تبرز المفارقة، فالمقال نفسه يعرف أن الملك موجود في الصين، لكن طرح سؤال “أين الملك؟” في ذلك التوقيت يفتح نقاشاً أوسع: كيف نقيس حضور القيادة؟ وهل الحضور السياسي يُقاس بالظهور أمام الكاميرات فقط، أم أن جزءاً أساسياً منه يحدث في ملفات لا نراها يومياً؟
خلال الأيام الماضية، تابع الأردنيون تحركات الملك في الداخل والخارج. كان في معان بين أبناء المحافظة، يستمع إلى مطالبهم ويتابع قضاياهم واحتياجاتهم، ثم كان في بكين يلتقي القيادة الصينية والمسؤولين والشركات، بحثاً عن فرص وشراكات يمكن أن تخدم الأردن.
من معان إلى بكين، تبدو الجغرافية مختلفة، لكن الهدف واحد: الأردن.
في الداخل، هناك الناس واحتياجاتهم وأولويات التنمية. وفي الخارج، هناك الاقتصاد والاستثمار والعلاقات الدولية وفتح الأسواق. وفي الحالتين، المطلوب هو تحويل الحضور السياسي إلى نتائج ملموسة، ولهذا فإن توقيت المقال يستحق التوقف. ففي الوقت الذي كان فيه السؤال يُطرح، كان الملك منخرطاً في زيارة تحمل ملفات ترتبط مباشرة بمصالح الأردن الاقتصادية والسياسية. وقد شملت الزيارة بحث فرص التعاون مع الصين وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة.
لكن بعيداً عن العناوين، يبقى السؤال الذي يهم الأردني فعلاً: ماذا سيأتي بعد ذلك؟
هل تتحول الاتفاقيات إلى مشاريع؟ وهل تتحول الاستثمارات إلى فرص عمل؟ وهل نستطيع فتح أسواق جديدة أمام الاقتصاد الأردني؟ وهل تنجح مؤسساتنا في تحويل العلاقات التي تُبنى في الخارج إلى نتائج يشعر بها المواطن في الداخل؟
هذه الأسئلة أهم من الجدل حول حجم الظهور الإعلامي، فالقيادة ليست ظهوراً أمام الكاميرات فقط، هناك عمل سياسي واقتصادي يجري بعيداً عن الأضواء: علاقات تُبنى، وأبواب تُفتح، وشراكات يجري التفاوض عليها، ومصالح وطنية تحتاج إلى من يدافع عنها ويبحث لها عن مساحات جديدة، والأردن، في هذه المرحلة، بحاجة إلى توسيع خياراته.
نحن نعيش في منطقة مضطربة، واقتصادنا يحتاج إلى الاستثمار والأسواق وفرص العمل، وشبابنا ينتظرون فرصاً أفضل. لذلك ليس من مصلحة الأردن أن يحصر علاقاته في اتجاه واحد.
الصين قوة اقتصادية وسياسية كبرى، وتعزيز العلاقة معها لا يعني التخلي عن أي شريك آخر، بل يعني أن الأردن يريد توسيع خياراته وبناء علاقاته الخارجية وفق مصالحه الوطنية.
في المقابل، فإن احترام دور الملك لا يعني التوقف عن السؤال، على العكس، الأردني يريد نتائج، يريد أن يرى استثماراً يتحول إلى مشروع، ومشروعاً يوفر فرص عمل، واتفاقية تتحول إلى واقع، وعلاقة دولية تنعكس على الاقتصاد وحياة الناس، وهنا تقع مسؤولية الحكومة والمؤسسات التنفيذية. فالملك يستطيع أن يفتح الأبواب، ويبني العلاقات، ويدفع باتجاه شراكات جديدة، لكن ما يحدث بعد ذلك يحتاج إلى مؤسسات تعمل بكفاءة وسرعة، وتعرف كيف تحول الفرص إلى إنجاز، هذا هو النقد الذي نحتاجه: نقد الأداء والتنفيذ والنتائج، لا اختراع غياب لا تؤكده الوقائع.
ربما كان عنوان “أين الملك؟”جذاباً صحفياً، وربما كان وراءه سؤال مشروع عن الحضور السياسي والإعلامي. لكن التوقيت يفرض علينا أن نقرأ الصورة كاملة.
في 24 آب/أغسطس الجاري، عندما كان المقال يُنشر، كان الملك في بكين. وقبلها كان في معان، وبين معان وبكين، كان هناك الأردن بكل ما يحمله من قضايا وتحديات وفرص، لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم هو: “أين الملك؟”
السؤال الأهم هو: إلى أين يأخذ الملك الأردن؟
الإجابة لن تكون في عنوان مقال، ولا في عدد المقابلات الصحفية، ولا في الصور وحدها. ستكون في المشاريع التي تُنجز، والاستثمارات التي تأتي، والأسواق التي تُفتح، وفرص العمل التي تُخلق، وفي قدرة مؤسسات الدولة على تحويل ما يُبنى في الخارج إلى واقع يلمسه الأردني في الداخل.
في معان كان الملك بين أهله، وفي بكين كان يحمل ملفات الأردن ويتحدث باسمه.
وفي الحالتين، يبقى المعيار الذي يجب أن يجمعنا جميعاً واحداً: ماذا نريد للأردن؟
نريد أردناً أقوى، واقتصاداً أفضل، وفرصاً أكثر لأبنائنا، وعلاقات واسعة تحفظ للبلد قراره ومصالحه.
أما العناوين، فتبقى عناوين.. والأيام وحدها ستجيب عن السؤال الأهم: ماذا حققنا للأردن؟




