صحافة وآراء

’’الخيارات السلمية‘‘ يهددها نتنياهو بحرب استباقية

عبد الهادي محفوظ

باب الحوار المباشر وغير المباشر لا زال مفتوحا بين واشنطن وطهران. وهو حوار محكوم بمعادلة مزدوجة التجاذب والتفاهم في الآن نفسه مع سبر نوايا الطرفين. ما يفترض فاعلا خارجيا للتقريب بين الطرفين الأميركي والايراني. ما أتاح أن تقوم  تركيا وقطر ودولة عمان بدور ناقل الرسائل ونجح قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في كسب ثقة البيت الأبيض والقيادة السياسية والعسكرية في ايران وفي إنجاز ’’مذكرة التفاهم‘‘ التي وقّع عليها كل من الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والايراني مسعود بزشكيان. ولكن ظهرت تباينات في قراءة بعض بنود هذه المذكرة استتبعت توترا في العلاقات ومعاودة محدودة لمواجهات عسكرية ولتنافس حول من يسيطر على باب المندب.

ومع ذلك تبقى ’’مذكرة التفاهم‘‘ هي القاسم المشترك الأميركي-الايراني. وهي تحتاج إلى قراءة جديدة. ومثل هذه ’’القراءة‘‘ ليست مستحيلة التحقق وخصوصا أن عنصر ’’التباين‘‘ يدور حول مسألتين مترابطتين: مضيق هرمز والبرنامج النووي الايراني. واشنطن تريد الوصول في الوقت نفسه إلى اتفاق حول فتح المضيق وحول منسوب التخصيب النووي والتأكد من عدم حصول ايران مستقبلا على سلاح نووي. فيما ايران لا تعترض على فتح المضيق وربط ذلك برفع الحصار البحري والاقتصادي والافراج عن الودائع الايرانية والنقاش في مرحلة لاحقة للبرنامج النووي الايراني مع تأكيد مسبق كان أعلنه الرئيس الايراني مسعود بزشكيان من أن ايران لا تريد امتلاك سلاح نووي وإنما تخصيبا نوويا لأغراض مدنية وسلمية. وهو يستند في ذلك إلى تحريم القنبلة النووية من جانب المرجع الروحي السيد علي خامنئي.

والملاحظ أنه دوليا واقليميا لا أحد يساند الحرب الأميركية-الايرانية التي قد يكون المستفيد الوحيد منها هو الدولة العبرية التي تريد توريط الولايات المتحدة الأميركية في حروب لا مصلحة لها فيها. وخصوصا وأن الحربين الأولى والثانية التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل على ايران كشفت أن المظلة الأميركية لدول الخليج حوّلتها إلى ساحة حرب استهدفت بناها النفطية والاقتصادية والمالية وهجرة الشركات العالمية. وهذا ما دفع هذه الدول إلى البحث عن شبكات أمان إضافية عبر روسيا والصين أو دول اقليمية مثل باكستان وتركيا ومصر.

واقع الأمر لا تشكّل ايران خطرا وجوديا على الولايات المتحدة الأميركية كما تحاول اسرائيل الايحاء بذلك. فطهران تشكّل عنصر اعتراض على المشروع التوسّعي الاسرائيلي وليس على النفوذ الأميركي في المنطقة. وثمة فارق بين الأمرين. كما أن تنامي ’’عزلة اسرائيل‘‘ دوليا يعود لخوضها ثمانية حروب في المنطقة مصحوبة بمخالفات صارخة للقانون الدولي وبسياسات تهجير وعقاب جماعي للفلسطينيين وتوسّع استيطاني وتمدد جغرافي في الجنوب اللبناني وسوريا مع تلويح وتصميم بتهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن.

وهذه ’’العزلة الدولية‘‘ لاسرائيل يحمّلها الديبلوماسي الأميركي السابق ومن أصل يهودي دينيس روس إلى سياسات حكومة اليمين الديني اليهودي التي تسهم في تخريب العلاقات الأميركية-الاسرائيلية وفي علاقات اسرائيل بدول الجوار. والمعروف أن دينيس روس هو من المؤثرين في لوبي الايباك اليهودي-الأميركي وكلمته مسموعة يهوديا وأميركيا وحتى اسرائيليا. أما إعلان الرئيس الأميركي عن دعمه لرئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو فهو يندرج في سياق الحرب النفسية وأيضا في مأزق سياساته تجاه ايران على ما تستنتج فورين أفيرز‘‘ (FOREIGN AFFAIRS). كما هذا الاعلان هو استجابة لاحتمال السيناريوهات العسكرية في حال عجز الخيار الديبلوماسي لمرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية.

هذه ’’اللوحة‘‘ تجعل من الوساطة الروسية أنها ’’إمكانية‘‘ فعلية لايجاد المخارج المقبولة من الأميركي والايراني لمضيق هرمز والبرنامج النووي الايراني. خصوصا وأن الرئيس الروسي لديه الأفكار الواقعية حول تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وبايداع الفائض من التخصيب في موسكو أو بكين أو أي دولة تتفق عليها الولايات المتحدة الأميركية وايران.

والأرجح أنه في مجال عودة الثقة بين واشنطن وطهران التي يعمل عليها ’’الشريك‘‘ في مفاوضات الظل الرئيس فلاديمير بوتين لجأ الرئيس الايراني مسعود بزشكيان إلى تسمية مدني على رأس وزارة الدفاع الايرانية كرسالة منه لتغليب المنحى الديبلوماسي والحواري إذا أبدت الولايات المتحدة الأميركية تفهّما للمطالب الايرانية وأبدت مرونة وغلبت بدورها للمخارج السلمية. وبالتأكيد مثل هذه التسمية جاءت بتفاهم مع الجيش والحرس الثوري. والأرجح أن الرئيس بزشكيان أخذ بنصيحة ما من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي هو عنصر تقاطع مع سيد البيت الأبيض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى