
• أبو الشعر: المقاومة اللبنانية -الفلسطينية أقل من خمسة بالمئة من مجموع القوة العسكرية العربية وأدمت إسرائيل، فماذا سيحدث لو ساهمت الـ 95% في دعم المقاومة
في مساءٍ ثقافي استثنائي، تحولت الأمسية الشعرية التي أحياها الشاعر أيمن أبو الشعر في المركز الثقافي الروسي بدمشق إلى تظاهرة إبداعية مميزة، حيث قدّمت برنامجًا متنوعًا جمع بين الأدب والشعر والفن دون أن يغفل السياسة. فمنذ أكثر من 45 عامًا، يعيش الشاعر الدكتور أيمن أبو الشعر في موسكو، لكنه لا يزال يحافظ على ارتباطه العميق بمدينة دمشق التي يحرص على زيارتها كل خريف، في تقليد أصبح جزءًا من هويته الثقافية، لتقديم أمسيات شعرية أو توقيع كتبه الجديدة. ويبدو أن هذا العام كان استثنائيًا في ألقه وثرائه، إذ شهد توقيع كتابه الجديد “مع الكاتب العالمي جينكيز أيتماتوف”، الذي يُعد إضافة مهمة للمكتبة العربية. ناهيك عن عرض فلم عنه وتقديم مداخلات حول كتابه الجديد وعدة أغان من قصائده الملحنة.
أيمن أبو الشعر ليس فقط مترجمًا، بل هو أديب يعيش الثقافة الروسية عن كثب ويعي تمامًا أهمية نقلها إلى القارئ العربي. رئيس اتحاد الكتاب العرب، الدكتور محمد الحوراني، أكد في كلمته عن الكتاب الجديد أن أبا الشعر لا يترجم إلا ما يراه إضافة حقيقية للمكتبة العربية.
برنامج إبداعي متميز
افتتح الأمسية مستشار المركز الثقافي الروسي، الدكتور المهندس علي الأحمد، الذي رحب بالحضور من الأدباء والمثقفين، ثم استعرض الشاعر ثائر زين الدين مكانة الكاتب العالمي أيتماتوف في الأدب الروسي والعالمي، مبرزًا أهمية كتاب أبي الشعر الجديد، الذي يعكس تجربته الشخصية مع أيتماتوف ويعرض رؤاه الأدبية والنقدية حول أعماله. من ثم، تحدث الأديب الدكتور محمد الحوراني عن تميز لغة أبي الشعر في الترجمة واختياراته الأدبية المبدعة، مؤكدًا أن أعماله تضيف قيمة حقيقية للمكتبة العربية.
في السياق ذاته، قدم الباحث راتب سكر مداخلة تناول فيها العلاقة العميقة التي تربط أبو الشعر بكبار الأدباء مثل أيتماتوف ورسول حمزاتوف، مشيرًا إلى أن هذه الصداقات تمنح كتاباته مصداقية وأبعادًا إنسانية وأدبية كبيرة. وأوضح أن أبو الشعر ليس مجرد مترجم، بل هو أديب عاش الثقافة الروسية عن كثب وفهم تفاصيلها العميقة، مما يتيح له نقلها إلى القارئ العربي بطريقة أصيلة.
فيلم وثائقي: “هدية تونس”
ولم يقتصر برنامج الأمسية على الحديث الأدبي فقط، بل شمل أيضًا عرضًا لفيلم وثائقي قصير عن تجربة أيمن أبو الشعر في مجال الشعر والترجمة، أعدته الصحفية رحاب حوات ومن إنتاج مؤسسة الكتيبة الإعلامية في تونس. تناول الفيلم تأثير أعمال أبي الشعر في العالم العربي، خاصة في بلدان مثل السودان وفلسطين وتونس واليمن، موضحًا كيف أن قصائده أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية لدى الجماهير، وانتشرت عبر الأشرطة الصوتية التي كانت تروج لرسائله الشعرية. وقد لاقى الفيلم إعجاب الحضور، الذين عبّروا عن تقديرهم الكبير من خلال تصفيق حار.
وفي خطوة نوعية عودنا عليها في السنوات الأخيرة قدم أبو الشع، خلال الأمسية ثلاث أغانٍ مستوحاة من قصائده، في محاولة منه لتقديم بديل حضاري للأغاني الهابطة السائدة في السوق. تم أداء الأغنيتين “عودة حبيب” و”انهض” بصوت الفنانة لانا هابراسو، وقد لقيت تفاعلاً كبيرًا من الجمهور الذي استمتع بالكلمات الشعرية التي تحولت إلى لحن ينبض بالحياة بصوت ملائكي. كما قدّم الفنان الموسيقي معن دوارة قصيدة “الشعب” بصوته، عبر أداء متقن وقد وصفه الشاعر أيمن أبو الشعر بأنه زرياب العرب المعاصر. هذه القصيدة لاقت صدى واسعًا، حيث أضافت بُعدًا آخر للأمسية من خلال ارتباطها بالقضايا الاجتماعية والسياسية الراهنة.
اختتمت الأمسية بكلمات مؤثرة من الشاعر أيمن أبو الشعر، اختراقا للتقاليد قاطعت الفنانة التشكيلية رنا محمود بلطف مسار الأمسية وصعدت إلى المسرح وأهدت الشاعر لوحة فنية تعبيرًا عن غربته وحنينه إلى وطنه. تناول أبو الشعر في حديثه، الواقع العربي الراهن، مشيرًا إلى التحديات التي يواجهها العالم العربي، وتساءل ماذا كان يمكن أن يحدث لو ساهم كل العرب في دعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية التي تدمي إسرائيل وهي لا تشكل خمسة بالمئة من القوة العسكرية الحقيقية للجيوش العربية، وأبرز في هذا السياق قضايا الإنفاق العسكري على الجيوش العربية سدى كونها لم تُعدّ لمحاربة العدو الإسرائيلي بل إن بعضها يمكن أن يقوم بقمع شعوبه إن طالبت بتحرير الأرض المحتلة. كما قرأ مقاطع من قصيدته الجديدة “هذا أوان الجوع شدوا الأحزمة”. هذه القصيدة تطرقت إلى معاناة الشعب السوري في ظل الحصار والتحديات الاقتصادية، كما تناولت الهجمة الغربية والصهيونية على المنطقة. كانت كلمات أبو الشعر بمثابة رسالة قوية عن الصمود والإرادة في مواجهة الأزمات، ما أثار تفاعلًا حارًا من الجمهور.
توجت الأمسية بتفاعل شعبي استثنائي، حيث لم يقتصر الحضور على الاستمتاع بالإبداع الشعري والفني، بل تناقل منذ نهاية الأمسية ما تضمنته من أطروحات نوعية في نقد الواقع وتوجيه رسائل حول أهمية الوحدة والصمود في وجه التحديات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها العالم العربي في الوقت الراهن. كانت الأمسية بمثابة دعوة للتمسك بالأمل في المستقبل، والتمسك بالقيم الإنسانية التي طالما حملتها قصائد أيمن أبو الشعر.
أحدث كتابه “جينكيز أيتماتوف… انطباعات وتعليق وحوار وترجمة لقصتيه المتنافسون والتفاحة الحمراء” تحولًا كبيرًا في المكتبة العربية. الكتاب يتناول العلاقة العميقة التي تربط أبا الشعر بأيتماتوف، ويعرض جوانب من فلسفته الأدبية ونقده للعديد من القضايا العربية الكبرى. كما يتضمن تحليلاً لعدد من أعمال أيتماتوف الشهيرة مثل “جميلة” و”عندما تتهاوى الجبال… العروس الخالدة”. إضافة إلى ذلك، يتضمن الكتاب ترجمة لقصتين من أعماله هما “التفاحة الحمراء” و”المتنافسون”.
الجدير بالذكر أن أبا الشعر هو جزء من أهم الأصوات الشعرية السورية المعاصرة، وقد حقق شهرة واسعة بفضل قصائده التي انتشرت عبر أشرطة التسجيل الصوتية في العالم العربي، ما جعله واحدًا من أبرز الشعراء العرب في زماننا.

