
غزة وسوريا.. وغباء الطرف الآخر!
لا يشك أحد على وجه المعمورة بأن مجريات الأحداث في قطاع غزة كانت مدرسة متكاملة الصفوف، بل جامعة بكل ما تعنيه الكلمة من معان راقية وسامية وشاملة، وبكل ما حملته من رسائل خُطّت بدماء الأطفال والنساء والمسنّين الأبرياء، التي امتزمت ببقايا المنازل والمساجد والكنائس والمدارس والمستشفيات المستباحة، أيّما استباحة، ونسجتها أقدام وإقدام المقاومين الأسطوريين، وهم يسطّرون أروع آيات البطولة والفداء والصمود في مواجهة أعتى وأحدث ترسانات وجيوش الغرب الاستعماري بقيادة رعاة “الكاوبوي” الأمريكي المستشرس وصنيعتهم “الكيان” المتغطرس والمارق.. حيث فضحت غزة العزة حقيقتهم أمام العالم أجمع وحتى شعوبهم المخدوعة والمُضلَّلة، وعرّت أكاذيب وفبركات مؤسساتهم الإعلامية العملاقة، حيث أضحت غزة وشعبها الصامد الصابر أنموذجاً فريداً في التاريخ الإنساني، ومصدر إلهام لكافة شعوب العالم بلا استثناء.. وها هو الشعب السوري المظلوم يستلهم من “طوفان الأقصى” طوفان “الفتح المبين”، لكن باتجاه “المسجد الأموي” في دمشق، حيث يجهد الغرب وكيانه ومَن يواليهم بكلّ ما يستطيعون لإيقافه عند هذا الحد، كي لا يمتد مستقبلاً نحو “المسجد الأقصى” المبارك، كما يأمل الكثيرون، ويخشى منه الكثيرون كذلك.
وإذا كان “طوفان الأقصى” قد كشف حقيقة الغرب الاستعماري وكيانه النازي ومنظومته التي صنعها على امتداد عقود طويلة وربما قرون، وأسقط بالضربة القاضية منظومته اللا قِيَمية واللا أخلاقية وحتى اللاإنسانية، بما فيها من هياكل ومؤسسات دولية بشتى اختصاصاتها ومسمّياتها المتنوعة.. فإن ما جرى ويجري في سوريا قد نزع ورقة التوت الأخيرة التي يتدثّرون بها، ويحاولون تبرير استدامة هيمنهم على المنطقة، ونهب خيراتها واستعباد شعوبها بالحديد والنار، منطلقين من نظرتهم العنصرية التاريخية لغباء وجهل شعوب هذه المنطقة، وفساد وإفساد قياداتها ونخبها المختلفة، غير مدركين مفاعيل قانون التطوّر والتغيّر الحتمي والسنن الكونية النافذة في التاريخ والجغرافيا والمجتمعات الإنسانية على اختلافها.
يبدو أن هذا الغرب الاستعماري ومنظومته ما زالوا ـ وهم الذين تمثّل مواقفهم من المنطقة وشعوبها مجرّد صدى لصوت “الكيان” الوكيل ـ يقفون عند مقولة “بن غوريون”: “نجاحنا لا يعتمدعلى ذكائنا بقدر ما يعتمد على جهل وغباء الطرف الآخر”، متجاهلين أن هذا الإرهابي المؤسس لسياسة التطهير العرقي في فلسطين، ولإقامة جيش له دولة، حدودها حيث تطأ أقدام جنودها، ويربطها تحالف استراتيجي راسخ بمخططات الغرب الاستعماري تجاه الشرق الأوسط وتقسيمه والسيطرة عليه.. هو نفسه كان العقل المؤسس لأهم استراتيجيات الحرب والأمن الإسرائيلي، بدءاً بشن الحروب الاستباقية الخاطفة، مروراً بنقل الحرب إلى أرض “العدو”، وليس انتهاءً بإقامة علاقات تعاون سياسي وعسكري وأمني مع دول الغلاف الإقليمي الآسيوي والإفريقي للوطن العربي، وبالعبث المتواصل بنسيج مجتمعات الأوطان العربية ونشر الفتن بين مكوّناتها وزعزعة استقرارها، وتدمير جيوشها الأقوى الثلاث على الترتيب: العراقي، السوري، والمصري.. وهو الذي بشّر بأن “إسرائيل تنتهي مع أول هزيمة عسكرية ماحقة واحدة”، وذلك نظراً لمحدودية العمق الاستراتيجي الجغرافي، وهو ما عبّر عنه ترامب متفاجئاً عندما نظر لخارطة “الكيان” الغاصب، وكأنه يراها للمرة الأولى في حياته؟!
ولعلنا نشهد انقلاب الصورة لمقولة “بن غوريون” رأساً على عقب وبالاتجاه المعاكس، حيث بتنا أمام قيادات تتصف بالجهل والغباء التام والعام، فنتنياهو الذي فاز عام 1996 تحت شعار”نتنياهو ـ يصنع سلاماً آمناً”، لم يجلب لا “السلام” ولا “الأمن” ولا حتى “الردع”، حيث تقصف الصواريخ اليمنية تل أبيب، وتصل مسيّرات حزب الله لغرفة نومه في قيسارية، وتتزايد الهجرة العكسية وخصوصاً للكفاءات والأغنياء. وبات يلهث خلف سراب “النصر المطلق”، من خلال معارك تكتيكية مؤقته ينتصر فيها على المدنيين الأبرياء في غزة إبادة وتجويعاً وتعطيشاً وتدميراً، وعمليات أمنية خسيسة آنية ومحدودة التأثير عبر اغتيال قيادات منتقاة، وقصف المرافق المدنية في لبنان واليمن، والدخول الاستعراضي للأراضي السورية، وتدمير مقدّرات الشعب السوري العسكرية والبحثية.. ومن خلفه الإدارة الأمريكية، وعواصم الغرب الاستعماري، التي تعوم على عومه، وتربط مصيرها بمصيره.. وهو ما دفع الصحافة العالمية وحتى الإسرائيلية التي كانت بالأمس القريب أبواقاُ لهذا “الكيان” النازي، إلى اعتبار نتنياهو “كارثة” على “الكيان” واعتبار إدارة بايدن شريكاً أصيلاً في كافة أفعاله الإجرامية المنطلقة من مصالح شخصية ترتبط بكرسي الحكم ليس إلّا.
صحيح أن الجيوش العربية بقيادة الضباط الإنكليز قد هُزمت عام 1948، وكذلك عام 1967، وأن الجيش العراقي قد جرى تدميره وحلّه، كما ترسانة الجيش السوري.. لكن الشعوب الفلسطيني والعراقي والسوري لم تُهزم. فبعد النكبة انبثقت الثورة الفلسطينية بفصائلها المقاتلة المختلفة، وبعد ما أطلق عليه محمد حسنين هيكل “النكسة” في عام 1967 كانت معركة الكرامة البطولية، ثم كانت حرب تشرين 1973 التي حوّلها السادات من حرب تحريرية إلى حرب تحريكية، وبعد احتلال بيروت عام 1982 كانت المقاومة اللبنانية وانطلاقة “حزب الله”، وبعد عزو العراق بدأت المقاومة العراقية بالتبلور، وبعد 2006 أصبحت المقاومة اللبنانية قوة وازنة في المعادلة الإقليمية وربما الدولية، وبعد “طوفان الأقصى” استعادت القضية الفلسطينية حضورها القوي في الساحة الدولية، وتبلورت جبهات الإسناد ووحدة الساحات في لبنان والعراق واليمن.. وبعد ما جرى في سوريا أضحت تركيا دولة مواجهة مباشرة مع “الكيان” بما لها وما عليها، ليس في الجولان المحتل فقط، وإنما في الشمال السوري وعلى ضفاف الفرات والحدود السورية التركية، ويُتوقّع حدوث اصطفات جديدة في خارطة التحالفات التركية ـ الإيرانية ـ الروسية وحتى الصينية حيث تتشابك المصالح الاستراتيجية، وتتوحّد مواجهة الأعداء…
وأخيراً، مَن قال أن السلاح وحده يصنع الانتصار، فقوة السلاح تنبثق من مستخدميه وعقيدتهم وحقّ وعدالة قضيّتهم، وإلّا لما انتصر الشعب الفيتنامي والجزائري والأفغاني، ولما بقيت غزة المكلومة صامدة وتقاتل بعد ما يقارب 460 يوماً.. وها هي سوريا تسابق الزمن نحو التعافي وإعادة بناء جيشها من جديد بعقيدة جديدة يُفترض أن تتوافق مع تطلعات وآمال الشعب السوري الأبي في الوحدة والحرية وروابطه المتجذّرة مع أشقائه من الشعوب العربية والشرق أوسطية بل والدولية، ورفض الوصاية والتبعية والتقسيم والاحتلال، وهو الغني بكفاءاته وطاقاته وإبداعاته المشهودة عبر الماضي والحاضر، وسيدرك المتغطرسون آجلاً أم عاجلاً حقيقة جهلهم وغبائهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.