صحافة وآراء

قول محفور في الذاكرة وعابر للأزمان للسيد حسن نصر الله: “أوهن من بيت العنكبوت” ـ 1؟!

فضل المهلوس

لو لم يقل سيد الشهداء على طريق القدس “حسن نصر الله” طيلة حياته سوى هذه العبارة العميقة في توصيف “الكيان” المصطنع لكفته ليكون مدرسة بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ جامعة شاملة، فعلت مفاعيلها المتواصة ليس في سلوك مناهضي هذا المشروع الاستعماري الغربي فحسب، وإنّما في سلوك هذا “الكيان” ذاته وصانعيه وداعمية ومَن يدور في فلكهم، حيث ضبطت إيقاع ما جرى من وقائع، وحكمت وتحكّمت في الأفعال والأقوال إثباتاُ لصحة ودقة هذا التوصيف والتشخيص المستوحى من خالق الكون العليم الحكيم، والاستماتة والمكابرة في دحضه بما يُعاكس عبثاً الحقائق الدامغة ويخالف السنن الكونية الخارجة عن إرادة الإنسان وقدراته مهما طغت وتوهّمت واعتقدت، فالحق في النهاية يعلو ولا يُعلى عليه طال الزمن أم قَصُر.

منذ ان صدحت حنجرة السيد بهذه العبارة في خطاب خطاب النصر عام ألفين في بنت جبيل، و”الكيان” بشتى مكوّناته السياسية والعسكرية يجهد بكلّ ما أوتي من قوة مصطنعة لدحض هذا التوصيف الدقيق، فخاض في سبيل ذلك حروبه ومعاركه بين الحروب في غزة وفي لبنان 2006 مركّزاً على رمزية بنت جبيل حيث كان الخطاب والعبارة الشهيرة، ولكن دون جدوى. ثم جاء “طوفان الأقصى” وما تلاه من أحداث ليؤكد صوابية هذا التشخيص. ولم يحظ زعيم عربي منذ جمال عبد الناصر بالاهتمام والتحليل حتى الشخصي والنفسي لأقواله وأفعاله وحتى حركاته وإيماءاته كما حظي السيد حسن نصر الله من قادة وإعلام وخبراء عسكريين وأمنيين داخل وخارج “الكيان” اللقيط، وقد لعبت عملية تكرار ذات العبارة فعلها كالنار في الهشيم بل وصب الزيت على النار كلّما خفتت أو هكذا بدت، حيث أصبحت تُشكّل هاجساً ورعباً حقيقياً ليس لدى مواطن هذا “الكيان” بل وقادته، وهو ما دفعهم نحو المزيد والمزيد من غطرسة القوة والجبروت وارتكاب الإبادة والجرائم والتدمير الشامل بحق المدنيين الأبرياء ومرافقهم الحياتية والمعيشية، واللجوء إلى الاغتيالات الخسيسة والمسلكيات الدنيئة بعيداً عن قوانين وضوابط الحروب والقوانين الإنسانية والدولية وحتى القِيَم والأخلاق الإنسانية الفطرية، حتى أن المجرم نتنياهو كان أول ما تلفّظ به في الأمم المتحدة بعد استعراضه الهوليودي من داخل أروقتها منتشياً بعد اغتيال السيد: “أعداؤنا قالوا عنا بيت العنكبوت، لكننا بينا لهم أننا بيت من فولاذ”، وهو ما يعكس ما أحدثته تلك العبارة الخالدة من رعب وهاجس لدرجة الهوس المَرَضي العُضال الميؤوس منه وغير القابل للشفاء، وما حفرته في وجدان “الكيان” برمّته من تأثير متصّل ومتصاعد.

وجدير بالذكر أن هذا “الكيان” المُحدث والمؤقت في المنطقة، قد سعى جاهداً مع رواج تلك العبارة إلى تركيز محاولاته على فهم وتحليل شخصية الأمين العام لحزب الله اللبناني، كون قراراته ـ وبحسب إجماع مصادره المختلفة ـ شكّلت الفيصل في قضايا السلم والحرب معاً، وبات يهتم ـ أيّما اهتمام ـ بكافة مفردات خطاباته، بل وينتظرها بفارغ الصبر، ويثق بصدقيّتها أكثر بكثير مما يثق بما يقوله قادته ونخبة المختلفة.. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول كتابٌ رسميٌ صادرٌ عن وزارة التربيّة والتعليم الإسرائيليّة إنّه منذ انتخاب السيد نصر الله أمينًا عامّا لحزب الله، فقد زاد من اهتمام وتدّخل الحزب في الشؤون السياسيّة على الساحة اللبنانيّة، كما أنّ التنظيم رفع من استعداداته العسكريّة، وصعّد المواجهة مع “إسرائيل”. ولفت الكتاب الإسرائيليّ الرسميّ إلى أنّ شخصية السيد نصر الله هي شخصيّة كاريزماتيّة جدًا، وأنّه يُشدّد على متابعة المُستجدّات داخل “إسرائيل” بشكلٍ يوميٍّ، ولهذا السبب، فإنّه يعرف بشكلٍ ممتازٍ ما يدور داخل المجتمع الإسرائيليّ، وما يُؤلمه، كما أنّه يعلم جيّدًا ماذا يدور في الساحة السياسيّة الداخليّة في الدولة الاسرائيلية. ولفت الكتاب إلى أنّ معرفة السيد نصر الله الواسعة بخبايا المجتمع الإسرائيليّ وحساسياته يُمكنّه من استغلال هذا الأمر لتوجيه رسائل إلى عموم الإسرائيليين، عن طريق الخطابات التي يُلقيها، ويتّم نقلها مباشرة عبر قنوات التلفزة حتى إسرائيلية منها، مُشدّداً على قوله إنّ “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”، أيْ أنّه يُمكن تدميرها بسهولةٍ بالغةٍ ـ على حدّ تعبير الكتاب الإسرائيليّ ـ وهم في حالة رعب دائم. حيث أكّد قائد القوات البرية في الجيش الإسرائيلي، اللواء غاي تسور، إن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله نجح في تحويل منظمته إلى إحدى أقوى المنظمات في العالم، بينما وصفت مصادر في شعبة الاستخبارات العسكرية، السيد نصر الله بأنه شخصية واسعة الاطلاع، ليس فقط في ما يتعلق بالإسلام أوْ بالنظريات القتالية والعسكرية، بل أيضًا بالاقتصاد والتجارة والأسواق العالمية، وله الفضل في تحويل حزب الله إلى ما هو عليه الآن من قدرة وانتشار وتأثير. كما نقل موقع “واللا” الإخباري. وبحسب ضابطٍ إسرائيليٍّ رفيع في الاستخبارات العسكرية، أضاف مُحلل الشؤون العسكريّة في الموقع، أمير بوحبوط، “يعد السيد نصر الله خبيرًا بمشاعر الجمهور الإسرائيلي وتطلعاته وأسباب قلقه، وهو يطلع على الأخبار والتعليقات الإسرائيليّة يومًا بيومٍ، بما يشمل كل ما ينشر في الصحافة الاسرائيلية، وهناك وحدةً خاصّةً موكل إليها ترجمة ما يرد في العبرية، وتحديدًا صحيفة هآرتس، التي تصدر أيضًا باللغة الإنجليزيّة، كما تصل إليه تباعًا اختصارات عن سيرة حياة الشخصيات العامّة في إسرائيل، ويعمل على ذكرهم في خطاباته، للتأثير في وعي الإسرائيليين”. وعلاوة على ذلك، لفت الموقع إلى أنّ ضابطًا رفيع المستوى في الجيش الإسرائيليّ أكّد، إضافة إلى ذلك، أنّ “إسرائيل” أولت اهتمامًا كبيرًا لأداء السيد نصر الله بعد استشهاد نجله هادي في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي”، وقال إنّ السيد نصر الله لم ينجر وراء مشاعر الأبوّة وكبت حزنه وأخفاه عن الجمهور، ولم يسع بشكلٍ حثيثٍ إلى استعادة جثة نجله، وهذا هو سر هذا التنظيم، الذي يستند إلى أيديولوجيا دينية، كاشفاً النقاب عن “أنّ نسخةً من القرآن الكريم وجدت في جيب هادي نصر الله بعد سحب جثته من الميدان، إلّا أنّ إسرائيل في عملية التبادل اللاحقة احتفظت بالنسخة لديها، ولم تعدها مع الجثة”. ووصل الأمر إلى قيام كوكبة من الأطباء الإسرائيليين، المُختّصين في عمل الدماغ إلى تحليل شخصية السيد نصر الله عن طريق استخدامهم لصوره خلال الخطابات، ورفعه أحد أصابع يده اليمنى، ولماذا يستخدم أيضاً أصابع يده اليسرى، وما هو السبب الذي يدفعه أحياناً إلى استخدام يديه الاثنتين. وشدّدّ أحد الباحثين، الذي نشر نتائج البحث على موقع الطبّ البديل، على “أنّ الجهة اليُمنى من الدماغ تؤكّد على القِيَم التي يحملها الإنسان، وعلى الطموحات والأحلام، أمّا الجهة اليسرى فإنّها تدُلّ على العملياتيّة في الحياة اليوميّة”.

الجنرال الإسرائيليّ في الاحتياط، عاموس غلعاد رئيس معهد هرتسليا ومدير سلسلة المؤتمرات التي يقيمها المعهد سنويًا، وصف كيان الاحتلال بأنّه “منزل محمي بجدران قوية بينما يأكله النمل الأبيض من الداخل”، على حدّ تعبيره. ويبدو أن تلك العبارة قد وقفت في حلق “إسرائيل” ولم تستطع بلعها رغم مرور السنين، وبقيت محفورة في ذاكرتهم الجماعية، خاصة أنها تكررت بعد فشل “الكيان” في حربه عام 2006، حيث كررها السيّد بقوله المأثور: “ولّى زمن الهزائم، وجاء زمن الانتصارات. رغم امتلاكه طائرات ف 15، وف 16، وف 35، والقنابل الذرية، فإن الكيان الصهيوني أوهن من بيت العنكبوت”. وقد ركّز قادة “الكيان” في الحرب الأخيرة على احتلال بلدة “بنت جبيل” بالذات بسبب رمزيتها للخطاب الذي ألقاه نصر الله، وبحسب الصحفي الإسرائيلي (أمر ربابورت)، هذه الجملة أغضبت القادة الإسرائيليين، وسببت لهم ما يمكن أن يطلق عليه “فوبيا العناكب”، حيث قام جيش الاحتلال بمحاصرة البلدة وأعلن أنه “سيطر بشكل كامل عليها وأن عناصر حزب الله فروا من المكان”، لكنه سرعان ما تراجع عن تصريحه عندما حاول دخول البلدة وتعرض لهجوم شرس أجبره على التراجع، ثم حاول بعدها مرتين متتاليتين وفشل في كلاهما، بعدها فقد الأمل وتراجع عن اقتحامها، علماً أنه هاجم البلدة بقوة قوامها 5000 عنصر مدعومين دعماً مطلقاً، مقابل 100 مقاتل من حزب الله. حيث عقّب معلق الشؤون العسكرية في القناة الثالثة عشرالإسرائيلية، ألون بن دافيد، إنّ نصرالله  “يقرأ الوضع في إسرائيل بصورةٍ صحيحة”، وإنّ “كل من ينظر إلينا يدرك أن المجتمع الإسرائيلي متصدّع”.

وقد جاء “طوفان الأقصى” وما تلاه من أحداث جسام ليترجم ويؤكد صوابية وعمق مقولة سيّد الشهداء على طريق القدس، وليفنّد ويسقط كلّ محاولات قادة “الكيان” لدحضها رغم اقتناعهم في قرارة أنفسهم بها، متوهّمين ان القوة والمزيد من القوة وقتل المدنيين الأبرياء وتدمير المرافق المدنية واغتيال القادة يمكن أن يعكس تلك الصورة التي ترسّخت وانطبعت في نفوسهم وبَوْصلت عدوانيّتهم وكشفت حقيقتهم للعالم أجمع، بل وتسللت إلى وجدان كافة أفراد هذا “الكيان” اللقيط الطاريء والمؤقت، ويبدو أنها بدأت الوصول حتى لصانعيه وداعميه، وإن غداً لناظره قريب.

أمّا كيف توصّل بحكمته السيد حسن نصر الله، هذا القائد التاريخي المُلهم لمثل هذه القناعة اليقينية، وكيف أدرك هذا الجزء من الآية القرآنية الكريمة، ولماذا أسقطها على واقع “الكيان” المصطنع، فذلك يحتاج إلى قراءات ودراسات موضوعية ومعمّقة، وهو ما سيُتبع لاحقاً.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى