صحافة وآراء

الصراع على القطب الشمالي

د. أيمن أبو الشعر

حتى الدول البعيدة عن القطب الشمالي كالصين والهند واليابان تسعى لدخول التنافس على موارد القطب الشمالي

ليس سرا أن الصراع على القطب الشمالي تصاعد في الآونة الأخيرة إلى درجة خطيرة لولا وجود كوابح تضبط الأمور، ولكن إلى متى؟

تعريف أولي

القطب الشمالي أقصى شمال الكرة الأرضية ومعظم مساحته التي تبلغ “27” مليون كم مربع من المحيط المتجمد الشمالي مع البحار المتصلة به، إضافة إلى جزيرة غرين لاند، ويعتبر ثاني أبرد منطقة في العالم بعد القطب الجنوبي حيث تكون الحرارة فيه عموما دون 40 درجة تحت الصفر، وقد بدأ الجليد بالذوبان ولو نسبيا بفعل الترفع الحروري ما فتح مجالا لآفاق اقتصادية واعدة، سواء بالاستفادة من موارده، أو من خلال الطرق البحرية الجديدة التي تربط الغرب عبر الشمال مع الشرق الأقصى.

لكن الأهم في معطيات القطب الشمالي – إلى جانب الأضواء السوريالية الملونة البديعة والمعروفة باسم “أورورا” أو أضواء الشمال، كظاهرة فلكية تحدث نتيجة تفاعل كيميائي كهربائي بين المجال المغناطيسي للأرض والرياح الشمسية على ارتفاعات عالية من سطح الكوكب-، هو ما لدي القطب من موارد طبيعية، وخاصة النفط والغاز حيث تشير المعطيات الرسمية الدولية إلى تقديرات متقاربة أن ما بين 22% إلى قرابة 30% من النفط والغاز في العالم موجود في القطب الشمالي، وظل هذا المخزون بكرا إلى أمد قريب، ناهيك عن المعادن كالحديد والنحاس والنيكل والفوسفات والزنك وحتى الماس، إضافة إلى الثروات السمكية والفراء.

وضع قانوني يتيح طموح الدول الأخرى لموارده

يساحل المحيط المتجمد الشمالي خمس دول هي: روسيا ولها أكبر حدود معه، وكندا، والنرويج، والدانيمارك، والولايات المتحدة، ويضاف إليها دول تعتبر من منطقة القطب رغم عدم مساحلتها له لكنها قريبة كفنلندا والسويد وأيسلندا والدول الثمان تشكل عمليا مجلس القطب الشمالي، ولكل دولة من الدول الخمس المساحلة مساحة محددة وفق القانون الدولي، فالمياه الإقليمية لكل دولة مساحلة 22 كم فيما يكون لها حتى 370 كم فيما يسمى المنطقة الاقتصادية ثم تبدأ المياه الدولية المشاع، وبالتالي لا يتبع القطب الشمالي ومنطقة المحيط المتجمد الشمالي لأي دولة وفق القانون الدولي، بمعنى آخر أن لأي دولة الحق في الاستثمار وإقامة مشاريعها في القطب والمحيط المتجمد الشمالي، الأمر الذي بدأ يعبر عن نفسه بوضوح، ليزداد التنافس حتى بملامح عسكرية أيضا.

ولوحظ في الآونة الأخيرة تزايد اهتمام الصين واليابان والهند بمنطقة القطب الشمالي، بما في ذلك سعي هذه الدول للدخول في مجلس القطب الشمالي رغم كونها غير مساحلة وليست من منطقة القطب، ولكن انطلاقا من مساحاته الشاسعة المشاع للاستثمار.

ليست الموارد وحدها

مع تزايد ظاهرة الاحتباس الحراري ينخفض بتسارع غطاء الجليد في القطب الشمالي، ويعتقد الباحثون والعلماء أن مياه المحيط المتجمد الشمالي سيذوب بأكمله مه نهاية القرن الواحد والعشرين، أي سيظهر محيط مائي لأول مرة منذ ما قبل التاريخ، وعاما بعد عام تزداد المساحات التي يمكن أن يتم الحفر في أعماق المحيط فيها لاستخراج النفط أو الغاز، “وهو بالمناسبة الأقل عمقا من جميع المحيطات”، والتي تقدر أثمانها بسبعة تريليونات دولار حسب تقديرات شركات الطاقة الدولية، وقد تصل إلى عشرة تريليونات، وبالتالي سيزداد اهتمام الدول الكبرى بهذه الكنوز التي ستكون لمن يسبق إليها، وإن كان الوصول إليها خلال العقود القادمة يحتاج إلى أدوات خاصة، وهذا ما يفسر ازدياد الطلب على كاسحات الجليد والشاحنات القطبية، وبدأت منذ الآن تتسع الطرق، ويخطط للجديد منها، وسيوفر طريق القطب الشمالي فرصا اقتصادية هائلة من خلال استخراج النفط والغاز والمعادن، ثم شحن هذه المواد الخام إلى الزبائن في مختلف دول العالم وخاصة في الشرق الأقصى، عدا عن استخدام طريق الشمال القطبي لنقل البضائع ذات الحمولات الكبيرة التي تحتاج للشحن في السفن لا في الطائرات.

ويبدو أن أهم عنصر يرجح الصراع هو سعي الدول المساحلة للمحيط المتجمد الشمالي لرسم خرائط توسع من مساحة القاع العائد لهذه الدولة أو تلك، فقد طالبت موسكو بمساحة تقدر بمليون و200 ألف كيلو متر مربع من المحيط والقطب الشمالي باعتبارها جزءا من الأراضي الطبيعية لروسيا، ولكي ندرك مدى التعقيد وخطورة هذه المسائل نشير إلى أن روسيا توصلت مع النرويج مؤخرا إلى اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينهما في البحار الشمالية والمحيط المتجمد الشمالي، وقد تم ذلك إثر مفاوضات مضنية استمرت 40 عاما.

العسكرة تتزايد

بما أن حدود روسيا مع المحيط المتجمد الشمالي والقطب الشمالي عموما هي الأوسع إذ تبلغ 24 ألف كيلو متر أي 53% من مجمل ساحل المحيط المتجمد الشمالي والمتواصل مع بحار بارينتتس وكارا ولابتيف وسيبيربا الشرقي وتشوكوتش والبحر الأبيض، ولديها أهم الموانئ القطبية الضخمة كمورمانسك على بحر بارينتس والذي تمت الاستفادة منه لإيصال المساعدات الغربية إلى الاتحاد السوفييتي إبان الحرب العالمية الثانية، وميناء كاندالاكشا وفيتينو على البحر الأبيض، وناريان مار المتصل ببحر بارينتس، وديكسون على بحر كارا ، وتيكسي على بحر لابتيف، وبيفيك على بحر سيبيريا الشرقية وغيرها، كل ذلك يجعل الوجود العسكري الروسي في القطب الشمالي مبررا إلى درجة كبيرة.
وقد قامت روسيا بتوسيع قدراتها العسكرية وأنشأت القواعد العسكرية والمطارات ومنظومات الرادار للإنذار المبكر، كما أعلن الرئيس بوتن عن توسيع التواجد العسكري الروسي في منطقة القطب الشمالي نتيجة تصاعد التوتر مع حلف شمال الأطلسي، حيث أعلن في المنتدى الدولي للقطب الشمالي الذي استضافته مدينة مورمانسك 26-27 مارس آذار المنصرم عن زيادة عدد القوات الروسية موضحا أن ذلك يأتي نتيجة توسع نشاطات الناتو في المنطقة خاصة بعد انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف مؤخرا، ولأن القطب الشمالي بات ساحة محتملة للصراع مع الناتو، لكن بوتن حرص على التأكيد أن روسيا لا تهدد أحدا، ولكنها ستدافع عن مصالحها وسيادتها بالشكل المناسب.

تحركات الناتو

لم يكتف الناتو بضم السويد وفنلندا بحجة الخطر الداهم المحتمل من روسيا نتيجة الحرب في أوكرانيا، بل عمَّق من نشاطاته واستبق انضمام السويد بأيام قليلة إلى قوامه بمناورات عسكرية في دولة قطبية مباشرة، بل توصف هذه المناورات بأنها الأضخم من نوعها منذ تأسيسه، حيث شارك في هذه المناورات قرابة 20 ألف عسكري من 13 دولة من أعضاء الحلف، وحملت مسوغا رمزيا بالغ الدلالة وهو صد هجوم افتراضي من عدو يهاجم إحدى دول الحلف، وشاركت في المناورات قرابة 100 طائرة مقاتلة وقاذفة، وقوات بحرية ضاربة بما فيها الغواصات، ما دفع بموسكو لاعتبار هذه المناورات استفزازا واضحا، زد على ذلك أن الناتو قام بوقت متزامن تقريبا بمناورات ضخمة أيضا أطلق عليها اسم التنين “24” – المُدافع الصامد، شاركت فيها قوات من بولندا وفرنسا وألمانيا ولتيتوانيا وسلوفينيا وإسبانيا وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة، فكيف لا يثير كل ذلك الاستنفار لدى موسكو، حيث اعتبر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسية أن نطاق مناورات الناتو يشكل عودة حقيقية ونهائية لا رجعة فيها من الحلف عن مخططات الحرب الباردة.

على أن المطامح الأمريكية تذهب أبعد بكثير من المناورات الناتوية، فقد عبر ترامب بوضوح عن مطامعه في ضم جزيرة غرين لاند هائلة المساحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي سنتناوله في مقالة قادمة.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى