صحافة وآراء

الإطراء الإستعماري: وكلمات منمقة برقع النفوذ

مارلين موسى

في لعبة الأمم، لا يأتي المديح الأميركي مجرّد ثناء عابر، بل يُقدَّم عادةً بجرعة محسوبة، وبنبرة تشبه ربّتَين على كتفٍ يُراد له أن يلين هكذا بدا كلام المبعوث الأميركي باراك عن أحمد الشرع؛ كلماتٌ منمّقة تُسكَب بسلاسة، لكنها محمّلة بطابعٍ وظيفي واضح، تُستخدم لشدّ الخيوط واستمالة الحساسيات السياسية قبل العقول. فالولايات المتحدة لا تجامل مجانًا، ولا تتقن فن الإطراء إلا حين يكون بوّابةً لمصالح أبعد من ظاهرها، إذ تمنح “طعم الاعتراف” لمن تريد اختباره، وتُغدق العبارات ذات البريق الناعم كي تُمهِّد لنفوذٍ أكثر خشونة والمفارقة أنّ هذا المديح، الذي صيغ كما لو أنّه شهادة تاريخية تُمنح كل مئة عام، يكشف أكثر مما يخفي: محاولة لجرّ الشرع إلى مربّعٍ سياسي محدّد، وإعادة رسم موقعه ضمن معادلات المنطقة، عبر خطاب يُصاغ ليُشعره بأنّ “الأبوّة الدولية” تشعر به وتراه. لكن خلف هذا الغلاف، يدرك الخطّ المقاوم أنّ المسألة ليست أكثر من محاولة جديدة لاستمالة شخصية صاعدة، وإعادة تدوير النفوذ عبر عبارات تُلمِّع وتُسكِر، لكنها لا تخفي رائحة الوصاية التي تقف خلفها.

فحين قال المبعوث الأميركي باراك “إنّ كل مئة عام تأتي رئاسة كهذه”، لم يكن يمدح بقدر ما كان يُسَوِّق لمفارقة مريرة: فالرجل الذي تصفه واشنطن اليوم بأنه ظاهرة قيادية نادرة هو نفسه أحمد الشرع الذي وُضع سابقاً على لوائح الإرهاب الأميركية، وانخرط في تنظيمات مسلّحة كداعش وهيئة تحرير الشام، ثم تحوّل فجأة إلى “رئيس مرحلة” وواجهة شرعية يُراد لها أن تبدو قدَرًا سياسياً جديداً. هكذا، بلحظة واحدة، تُسقط الإدارة الأميركية سرديتها القديمة وتعيد قولبة الرجل نفسه الذي كانت تطارده، لتقدّمه اليوم كاستثناء تاريخي، استثناء لا يأتي إلا “مرة في القرن”، كما قال باراك هذا المديح ليس توصيفاً، بل عملية تجميل سياسية كاملة: تحويل الإرث القتالي إلى رصيد قيادي، ومسح الماضي بشعار فرصة لا تتكرر، وكأنّ واشنطن تعلن أنّ المعايير ليست سوى أزرار تُضغط وفق الحاجة، وأنّ الشرعية تُصنع في غرف القرار ثم تُنقل إلى الميدان بعبارات منمّقة تحاول إقناع الجمهور بأنّ الرجل الذي كان تهديداً أصبح فجأة ضمانة.

أميركا لا ترى في سوريا قيادات استثنائية ولا فرصاً تاريخية، بل ترى معابر وحدوداً وثروات ومواقع نفوذ. ترى شرقاً أوسطاً يُعاد رسمه، وتحتاج فيه إلى رجل قادر على لعب دور الوكيل المحلي، ولو كان تاريخه حافلاً بالتحولات الحادّة والولاءات المتقلبة. ومن هنا، يصبح الشرع ـ أو بالأحرى ما يمثّله الشرع منتجاً سياسياً قابلاً للتشكيل: رمز مرحلة تريدها واشنطن انتقالية، خفيفة الظل على مصالحها، وثقيلة الظل على خصومها، فواشنطن اليوم تبحث عن منصة جديدة للنفوذ في سوريا، بعدما تآكلت أدواتها القديمة وانكشفت تفاهماتها. تريد شخصية يمكن تسويقها غربياً بصفتها “ابن البيئة”، وقادرة في الوقت نفسه على فتح أبواب مناطق الشمال، وضبط إيقاع الفوضى، وتأمين خطوط اتصال غير عدائية مع تركيا والأطراف الكردية، وإبقاء الضغط على دمشق ومحور المقاومة. هنا تماماً يدخل الشرع إلى المعادلة: ليس لأنه “قائد القرن”، بل لأنه الحلقة القابلة للالتقاط في لحظة إعادة توزيع الأدوار.

باراك لم يكن يمدح الرجل، بل يمهّد لتكريس وظيفة. وظيفة تقتضي أن يكون الشرع أو أي بديله واجهة مناسبة لمرحلة تريدها واشنطن بلا كلفة عسكرية مباشرة، وبلا التزامات سياسية ثقيلة، وبغطاء محلييصنع الانطباع بأنّ التغيير خرج من الداخل بينما خيوطه تُحرَّك من الخارج. لذلك كان المديح ضرورياً: ليس تمجيداً، بل تأسيساً. تأسيس لمرحلة تُدار من بعيد، ويُسند فيها الدور لمن كان يوماً مطارَداً، ثم صار فجأة استثناءً يستحق أن يأتي مرة كل مئة عام.

وفي النهاية ضمن عجبِ هذا الزمن أنّ من كان بالأمس يتقلّب بين راياتٍ سوداء وولاءاتٍ مُعتمة، يغدو اليوم بجرّةِ قرارٍ أميركيّ نجماً على منصّات البروتوكول تغيّرت البدلة، نعم صارت رسميّة مُفصّلة على مقاس المرحلة، لكنّ الخيطَ الذي يربط الماضي بالحاضر ما زال هو ذاته فالذي يتبدّل هو القماش، أمّا الجوهر فلا يغيّره ربطة عنق، ولا تُعيد صياغته كلمات باراك المنمّقة وهكذا، يبقى السؤال معلقاً: هل خَلَعَ الرجل زيّ التنظيم، أم اكتفت واشنطن بأن تُلبِسه صورتها الجديدة دون أن تقترب من حقيقة ما تحته؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى