صحافة وآراء

رسالة الصاروخ “أورشينيك” ثقبت آذان الغرب

د. أيمن أبو الشعر

• الصواريخ الغربية أرسلت لأوكرانيا لقصف الأراضي الروسية ومسألة عدم السماح السابق باستخدامها كان مجرد مسرحية

قرار انعطافي خطير وغبي

عودنا الزعماء الأمريكيون أن يُقدِموا على قرارات حساسة جدا قبل أن يغادروا البيت الأبيض، من ذلك قرار الرئيس باراك أوباما بطرد 35 دبلوماسيا روسيا قبيل مغادرته البيت الأبيض، ما ساهم بتدمير معظم العلاقات الدبلوماسية والعملية مع روسيا التي اضطرت لطرد أعداد كبيرة من الدبلوماسيين الأمريكيين وفقا للتقليد المتبع الرد بالمثل، ثم يأتي الآن قرار الرئيس بايدن بالسماح لأوكرانيا بقصف الأراضي الروسية بصواريخ أمريكية وبريطانية بعيدة المدى ما يشكل خطرا في نتائجه على البشرية جمعاء، ويرجح الخبراء في مجال السياسة الأمريكية ودور الزعماء الأمريكان أن هؤلاء يهمهم أن يكتبوا في مذكراتهم ما يعتبرونه عملا بطوليا أو حدثا نوعيا أقدموا عليه “كأبطال” حتى لو كانت هذه القرارات جسرا لمخاطر كبيرة على المجتمع الأمريكي نفسه وعلى العالم كل العالم.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا بقيت الإدارة الأمريكية شهورا عديدة ترفض السماح لأوكرانيا بقصف العمق الروسي بالصواريخ الأمريكية والبريطانية، ثم سمحت فجأة بذلك، رغم أنها كانت تبرر موقفها السابق بأنها لا تريد التصعيد والمواجهة مع روسيا، فهل باتت ترغب بهذا التصعيد والمواجهة مع روسيا؟

والواقع أن واشنطن ولندن هما اللتان خططتا بالدرجة الرئيسية منذ البداية لمثل هذا السيناريو، فقد أجبروا أوكرانيا عمليا على الانسحاب من مفاوضات إستانبول التي كان يمكن أن توقف الحرب، وتنهي الأزمة باتفاق معقول تضمن فيه روسيا عدم تنامي دولة نازية على حدودها مباشرة، وفي الوقت نفسه يتم تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا الجارة المحايدة التي لن تكون في الناتو، ذاك أن واشنطن ولندن عرقلتا نجاح مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا لرغبة منهما في إضعاف روسيا حتى على حساب إنقاذ أوكرانيا.

الصواريخ الأمريكية منذ البداية أرسلت لكي تقصف روسيا

منطق الأمور يقول أن الصواريخ بعيدة المدى أرسلت إلى أوكرانيا تحديدا لكي تقصف روسيا، وإن جرت في البداية مسرحية امتناع واشنطن على السماح لكييف بفعل ذلك لكي تبدو واشنطن وكأنها تحملت كثيرا ثم فاض بها الأمر، فاضطرت للسماح باستخدام الصواريخ لقصف العمق الروسي، وهذه مسرحية مكشوفة جدا تذكر بقول الكاتب المسرحي الروسي تشيخوف أن البندقية التي تكون على الحائط في المسرحية لا قيمة لها إن لم تطلق النار في الفصل الثاني أو الثالث، ويبدو أن انتهاء فترة حكم بايدن يمكن اعتباره من مجريات الفصل الثاني في هذا الحدث.

وهكذا سمح بايدن بقصف العمق الروسي بصواريخ أتاكامز الأمريكية وستورم شادو البريطانية، ناسفا بذلك حتى المخاوف الأمريكية من إمكانية الصدام المباشر مع روسيا، من هنا يمكن اعتبار قرار بايدن خطيرا جدا ومغامرا وغبيا جدا. إنه خطير جدا لأنه قد يشعل حربا عالمية لن يكون فيها منتصرون، المنتصر الوحيد عندئذ هو فناء البشرية، وهو قرار غبي جدا لأن واشنطن ستكون أول المتراجعين في حال وصلت الأمور إلى مجس السلاح النووي. أما لماذا اتخذ بايدن مثل هذا القرار الخطير والغبي فلأنه بكل بساطة أراد من جهة إحراج ترامب قبل تسلم مسؤولياته كرئيس جديد للولايات المتحدة، ولأنه يريد أن يسجل في مذكراته أنه اتخذ قرارا نوعيا “شجاعا” وربما يصفه حتى بالبطولي.

رد موسكو ثقب آذان الغرب

أراد بايدن ضمنيا امتحان صبر موسكو واستقراء ردود فعلها تجاه هذه الاستفزازات الخطيرة في توسيع المشاركة العسكرية في أزمة أوكرانيا حيث من الواضح للجميع أن توجيه هذه الصواريخ يحتاج إلى خبراء أمريكيين وأجهزة فضائية أمريكية، وهذا بدوره يعني مشاركة حقيقية في الحرب… وهكذا جاء الرد الروسي صاعقا في استخدام صاروخ أورشينيك الحديث الذي لا مثيل له في العالم من حيث سرعته المذهلة أكثر من عشرة أضعاف سرعة الصوت، وكونه خارج إطار الاعتراض إذ لا تستطيع أية قوة مضادة للطيران من اعتراضه ، ويلفت النظر في هذا المجال أن لدى روسيا كمية كبيرة من هذا السلاح الجديد فقد أعلن قائد قوات الصواريخ الاستراتيجية سيرغي كاراكايف خلال اجتماعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن صواريخ “أوريشنيك” قادرة على ضرب الأهداف في جميع أنحاء أوروبا، وأضاف كاراكاييف، خلال تقييمه لعملية إطلاق الصاروخ الأولى: “كان الإطلاق ناجحا، وتم تحقيق الهدف منه. وأكدت نتائج الإطلاق جودة التصميم وميزات النظام الصاروخي، ما جعل استخدام هذا الصاروخ بمثابة صاعقة ثقبت آذان القادة الغربيين، الذين بدأوا يتوجسون حسب وسائل الإعلام الغربية نفسها من توسع ردود الفعل الروسية.

النووي ليس بعيدا أيضا

والجوهر ليس هنا وحسب بل يكمن في أن الرئيس بوتن أعلن بوضوح أن لروسيا الحق في استخدام أسلحتها ضد منشآت عسكرية لدول تستخدم أسلحتها ضدها، وهو وإن كان لا يزال يؤكد استعداد روسيا للحوار إلا أنه أوضح بما لا يدع مجالا للشك بأن روسيا سترد على أي تصعيد بما يناسبه، ولم يكن صدفة أن يشدد بقرار رئاسي جديد على تطوير العقيدة النووية الروسية بحيث تتيح استخدام السلاح النووي ضد الدول غير النووية في حال شنت هجمات على روسيا بمساعدة دول نووية، الأمر الذي ينطبق على أوكرانيا، ناهيك عن حديثه بأن الصراع في أوكرانيا بدأ يأخذ طابعا عالميا، وهذا يعني أن التصعيد الغربي سيقابله رد روسي مناسب وستتصاعد هذه الحلقات إلى مواجهات مباشرة، إذ لا يُخفى على أحد أن قصف أوكرانيا للأراضي الروسية بصواريخ غربية بعيدة المدى لا يمكن أن يتم دون مساعدة التقنيات الفضائية الأمريكية، وهذا يعني بالضرورة الدخول في الحرب بشكل مباشر حتى وإن لم يتم إرسال فرق عسكرية، بالمناسبة المشاركة العسكرية الغربية المباشرة تتم عمليا من خلال إرسال المرتزقة بعشرات الآلاف.

ذعر غربي بعد الرد الروسي

في هذا السياق تبدو تصريحات وزير الدفاع السلوفاكي مثيرة للاهتمام باعتبارها تغريدة خارج السرب، فقدأوضح وزير الدفاع السلوفاكي كالينياك أن بلاده ترفض السماح لأوكرانيا بقصف الأراضي الروسية بصواريخ غربية، معربا عن قلقه من الاستفزازت الكبيرة التي ستؤدي إلى تصعيد الصراع دوليا، وأن تصل الأمور إلى ما يسمى باللاعودة وفقدان إمكانية كبح الجماح في حال حدوث استفزاز جديد.

ويبدو أن الأوساط الإعلامية الغربية بدأت تتحسس مدى خطورة القرار الأمريكي وردة فعل موسكو على الإجراءات الأمريكية الأخيرة حتى أن صحيفة الغارديان البريطانية اعتبرت أن صاروخ “أورشينيك” الروسي سيؤسس لوضع جديد إلى أن يحل ترامب في البيت الأبيض، وترى أن عليه أن يخوض مساومة قاسية، وأنه قد يتخلى عن أوكرانيا، فقد سبق لترامب أن انتقد السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا ووصف زيلينسكي بالتاجر الذي يحصل إثر كل زيارة لواشنطن على العديد من المليارات. أما صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية فاعتبرت خطاب الرئيس الروسي تحذيرا للولايات المتحدة وجميع حلفاء أوكرانيا، ورأت “وول ستريت جورنال” الأمريكية أيضا أن قصف روسيا لأوكرانيا بصاروخ “أورشينيك” هو مجرد إشارة، أي أن ما سيأتي بعده سيكون أقسى وأشد إيلاما، يجيء ذلك بعد أيام قليلة من القصف الروسي الواسع على الأهداف الأوكرانية ـ حتى أن الرئيس الأوكراني زيلينسكي اعترف بأن القصف الروسي شمل جميع مناطق أوكرانيا بالمسيرات وصواريخ كروز وغيرها من الصواريخ وأن هذا القصف استهدف منشآت البنية التحتية للطاقة وأسفر عن أضرار كبيرة.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى