تقارير - ماتريوشكا

الثعلب اليهودي الصهيوني الساحر هنري كيسنجر: كرّس عبقريته لهزيمة العرب والسوفييت وخدمة “الكيان” (الجزء الأول)

ماتريوشكا نيوز

ينبغي تفكيك القضايا والأزمات الكبرى إلى عناصر وتفاصيل أصغر لفهمها ثم إعادة تركيبها بما يتناسب مع الحقائق الجديدة، وفي هذا السياق ابتدع كيسنجر سياسة “الخطوة خطوة” و”الرحلات المكوكية” التي طبقها في أزمات فيتنام والصين والشرق الأوسط. في الصراع العربي الإسرائيلي، طبق كيسنجر نظرية (التفكيك والتركيب) عبر العمل على تفكيك الجبهات والأواصر العربية، ومنع أي تقارب بين العراق وسوريا وتحييد مصر ودعم إسرائيل المطلق للتفوق على جميع الدول العربية. يعتبر أن حوار أو مفاوضات مع العالم العربي تتم وفق نظرية (الشيخ والخيمة) و(السوق)، حيث ينبغي أن تقدم نصف السعر المطلوب أو أقل، كما يرى أن القرار النهائي يكون حصريا للشيخ الذي يتصدر الخيمة، وقد طبق ذلك تماما خلال مجريات حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وما بعدها”.

أكثر من عام على وفاة الداهية اليهودي الصهيوني الألماني “هينز ألفرد كيسنجر” المعروف باسم هنري كيسنجر، يوم الأربعاء 29/11/2023، عن عمر ناهز المائة عام ويزيد، والمولود في 27/5/1923 في مدينة فورت بإقليم بافاريا الألماني.. لكن إرثه الغني بالمكر والكذب والخداع والإخلاص المنقطع النظير لمصلحة “الكيان” الإجرامي ما زال قائماً، ويفرض نفسه بقوة على السياسة الخارجية للبيت الابيض بشتى ساكنيه، بل وعلى عموم عواصم الغرب الاستعماري. هذا الإرث الذي يُفترض تسليط الأضواء على أبرز ما أحتواه من دروس وعبر للعرب والمسلمين ولروسيا والصين ولكافة شعوب الأرض، حيث أن بصماتها القاتمة طالت الجميع ولم تستثني أحداً، ولا توال حتى يومنا هذا.

مخطط تمزيق العالم العربي

عام 1974 تسربت معلومات موثوقة من داخل وزارة الخارجية الأمريكية، عن طريق موظفة سبق أن عملت في مكتب كيسنجر، وتولت في أواخر ذلك العام طباعة بعض التقارير السرية له، تؤكد أنه ـ أي كيسنجر ـ هو صاحب مخطط تمزيق العالم العربي، وضرب المنطقة بعضها ببعض، والعمل على استنزاف قواها الذاتية، والإعداد لتقسيم وحداتها الجغرافية، وقد وضع هذا المخطط وقتها بصفته رئيسا لمجلس الأمن القومي. حيث تقول السكرتيرة التي تولت طباعة التقرير أن ما بقي بذهنها منه هو نقاط قليلة، إلا انها كافية لإلقاء ضوء عليه:

1 ـ ينطلق التقرير من تصور أن منطقة الشرق الأوسط التي تضم بالإضافة الى البلدان العربية كلا من تركيا وإيران، هي المنطقة ذات المركز الإستراتيجي الأول في الصراع العالمي، فهو مستودع الطاقة التي ترتبط بها الحضارة إلى أمد طويل، وهو عقدة المواصلات للقارات الثلاث وبينها، وهي أوروبا وآسيا وأفريقيا.

2 ـ يعتقد كيسنجر ان البلدان العربية تشكل أربع وحدات جغرافية متمايزة، وهي: منطقة الهلال الخصيب، وتضم كلا من سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين والجزيرة العربية. والمغرب العربي، ويضم كلا من المغرب والجزائر وتونس. ومصر الوثيقة الاتصال جغرافيا وبشريا ببلدين مجاورين لها ويتبعانها وهما ليبيا والسوادان. وبالرغم من خلافات هذه الدول فيما بينها، إلا ان عداءها لإسرائيل والغرب كثيراً ما يستقطبها، كما أنه كثيراً ما يكون أحد أسباب خلافاتها. وبسبب طبيعة موقعها الإستراتيجي والبترول فإن أوضاعها الاقتصادية والسياسية، وعلاقاتها الخارجية وقياداتها هي شاغل دولي.

3 ـ باستثناء إسرائيل، فإن جميع دول المنطقة تتصف أوضاعها بالاضطراب، وضعف المؤسسات السياسية فيها، القابلة دوما للانفجار. كذلك تتصف بافتقار قياداتها الى الرؤية العريضة وعجزها عن معرفة ومجاراة تيارات التطور الفاعلة. بالإضافة إلى أنها تضم أجهزة إدارية فاسدة غير قادرة على أن تمنح شعوبها القدر المعقول من الرضى المولد للاستقرار، وهي بسبب ضعف بنيتها الداخلية معرضة بشكل مستمر للانقسامات والصراعات والثورات، وقابلة للتطرف.

4 ـ يستعرض تقرير كيسنجر أوضاع البلدان العربية، وقد شمل الوصف في القرير جميع البلدان العربية، إلا أن هذا ما أمكن تذكره: سوريا بلد ذو بنية متطرفة، لا يمكن ضبط نزقه السياسي بغير حكم عسكري. لبنان: بلد هش التركيب، قابل للتعدد والانقسام. العراق: بلد ذو ثلاثة أجنحة، يعيقه الجناح الثالث عن الانطلاق. الكويت: مدينة لا تستطيع أن تستمر وتعيش بغير حماية خارجية. المملكة العربية السعودية: دولة ذات أجساد متعددة، ولها رأس واحد. مصر: دولة مستعرة، ومستعرة الفقر والمشكلات. الجزائر: دولة تنفق من رصيد ثروتها القابل والمشرف على النفاد. ليبيا: صحراء تحاول ان تلعب دور مدينة.

5 ـ وبعد أن يستعرض تقرير كيسنجر أوضاع البلدان العربية الداخلية، يقول ما معناه: اللحمة الداخلية لكثير من هذه البلدان هشة، وأن الوحدات السياسية لبلدان الهلال الخصيب غير قابلة للاستمرار بسبب تعاظم دور الأقليات وتضاؤل دور الأكثرية العربية السنية التي لم تعد أكثرية. ويعترف التقرير أن قيام إسرائيل قد عجل في إنفجار مشكلات الأقليات وفي طموحها الى الاستقلال، لاسيما الأكراد والمسيحيين والدروز الناضجين لإقامة دولة مستقلة. أما العلويين في سوريا فهم يتطلعون الى البقاء حاكمين لسوريا كلها، غير ان الأكثرية السنية قد تضطرهم إلى إقامة دولة خاصة بهم، وهذا أمر محتمل في سياق التطورات القادمة.

6 ـ يقول التقرير أن الأجساد المتعددة للملكة العربية السعودية قد تنفصل في حالتين إذا ما فقدت الرأس الواحد. أو إذا قامت فيها حركة ثورية انقلابية أخفقت في منطقة ونجحت في أخرى. وفي كل الأحوال فإن أي اضطراب جدي يهدد أمن المستودع البترولي في الجزيرة العربية يجب ان يقود أمريكا إلى إجراء خاص جداً وعاجل جداً.

7 ـ ويرى تقرير كيسنجر أن لكل وحدة جغرافية من الوحدات الأربع نقطة إشغال. لبنان هو نقطة إشغال دول الهلال الخصيب، ومركز انفجار مشكلة الأقليات. والكويت هي نقطة إشغال الجزيرة العربية والعراق. وليبيا هي نقطة إشغال مصر. والصحراء الكبرى الإسبانية هي نقطة إشغال المغرب العربي. (ملاحظة: هذا التقرير سابق لإنفجار مشكلتي الصحراء ولبنان.). ويعتقد كيسنجر في تقريره أن النقطتين الرئيسيتين هما لبنان والصحراء الكبرى، وأن نقطة الكويت تتصل بنقطة لبنان، كما أن نقطة ليبيا تتبع نقطة الصحراء الكبرى وتتأثر بها.

8 ـ وبما أن إنفجار هذه النقاط الأربع (أو بعضها) سيطرح مشاكل كبيرة وكثيرة، فإن على السياسة الأمريكية أن تهيئ نفسها لمتابعة وملاحقة أوضاع متشابكة وخطرة، تفرز معطيات جديدة في المنطقة بأسرها. وقد تكون اكثر تعقيداً، إلا أنها أسهل معالجة بسبب أنها بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي الذي يستقطب القوتين العظميين، ويضع العرب جميعاً كتلة واحدة في مواجهة إسرائيل، كما يضع الغرب أمام الخيار الأصعب بين موقفين وسياستين، التخلي عن إسرائيل للعرب والسماح بنمو علاقات عربية أكثر تماسكاً وابتزازاً وتحدياً للغرب، أو قطع البترول ومواجهة النتائج المدمرة المترتبة على ذلك.

9 ـ ويعتقد كيسنجر أن سياسة الوفاق قد أبعدت الاتحاد السوفيتي، إلى حد ما، عن منطقة الشرق الأوسط إلا أنها لم تلغ وجوده، وهو قادر على العودة وتهديد المصالح الغربية. ولأن مصير أوروبا مرتبط ببترول الشرق الأوسط، فإن سيطرة الإتحاد السوفيتي على هذه المنطقة يعني سيطرته على أوروبا كلها، وهو أمر يثير الفزع. إلا ان حاجة الإتحاد السوفيتي إلى القمح، وتجديد الأسلحة الإستراتيجية لتوفير الأموال اللازمة للاقتصاد ومشاريع التنمية، يجعل الولايات المتحدة الأمريكية دائماً قادرة على كبح تطرفه، وما لم تتعرض القيادة السوفياتية الحالية لنكسة غير متوقعة، فلا خوف منه في هذه المرحلة.

التفكيك والتركيب

طبق كيسنجر سياسة “بناء الجسور” في تطوير علاقات أميركية أكثر إيجابية مع الاتحاد السوفياتي السابق خلال الحرب الباردة، وساعد في التفاوض على اتفاقية الحد من الأسلحة الإستراتيجية (سالت1) التي وقعت في عام 1972. وقد أعاد كيسنجر الانفتاح الدبلوماسي الأميركي على بكين، ومهّد الطريق لزيارة ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972، وفي عام 1973، فاز كيسنجر بجائزة نوبل للسلام بفعل مساهمته في توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الورطة الأميركية في فيتنام. كان كيسنجر قارئا نهما للتاريخ والفلسفة، وهو يعتمد على السياقات التاريخية في تفسير أحداث الحاضر وقضاياه الكبرى وقراءة المستقبل عبر القياس والعبرة، وهو يعتقد “أن الحاضر لا يكرر الماضي تماما، ولكنه ينبغي أن يشبهه حتما، وبالتالي يجب أن يكون المستقبل كذلك”.

ويرى كيسنجر أنه ينبغي تفكيك القضايا والأزمات الكبرى إلى عناصر وتفاصيل أصغر لفهمها ثم إعادة تركيبها بما يتناسب مع الحقائق الجديدة، وفي هذا السياق ابتدع كيسنجر سياسة “الخطوة خطوة” و”الرحلات المكوكية” التي طبقها في أزمات فيتنام  والصين والشرق الأوسط.

وفي الصراع العربي الإسرائيلي، طبق كيسنجر نظرية “التفكيك والتركيب” عبر العمل على تفكيك الجبهات والأواصر العربية، ومنع أي تقارب بين العراق وسوريا وتحييد مصر ودعم إسرائيل المطلق للتفوق على جميع الدول العربية.

وكان يعتبر أن حوار أو مفاوضات مع العالم العربي تتم وفق نظرية “الشيخ والخيمة” و”السوق”، حيث ينبغي أن تقدم نصف السعر المطلوب أو أقل، كما يرى أن القرار النهائي يكون حصريا للشيخ الذي يتصدر الخيمة، وقد طبق ذلك تماما خلال مجريات حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وما بعدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى