دولي

إسرائيل بين أزمة الجيش وثورة الوعي العالمي: زمن الهيمنة يترنّح

ماتريوشكا نيوز

تدخل إسرائيل اليوم واحدة من أعقد مراحلها البنيوية، مرحلة تتكشّف فيها هشاشة غير مسبوقة داخل أهم مؤسساتها، الجيش، السياسة، الإعلام، والدعم الغربي التقليدي. فخلف الصورة التي يصرّ الجيش الإسرائيلي على التمسّك بها منذ عقود صورة “الجيش الأقوى في المنطقة” يتّضح واقع مختلف جذرياً. الواقع هو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية متصدّعة من الداخل بشكل مخيف، مثقلة بالإنهاك، وفاقدة لكوادرها الأساسية، وغير قادرة على تجديد دمائها أو الحفاظ على إحتياطيها البشري، حيث يعاني الجيش من أزمة بشرية عميقة تمسّ جوهر جاهزيته. فمعدّل الضباط الراغبين في الإستمرار بالخدمة تراجع إلى 37% فقط بعد أن كان 58% قبل ست سنوات، في دلالة على إنهيار الثقة الداخلية. أما النقص في القيادات الميدانية فهو كارثي 1300 ضابط بين رتبة ملازم ونقيب، و300 برتبة رائد، وهو ما يعني أنّ وحدات كاملة تُترك بلا قيادة فعلية. يضاف إلى ذلك عجز شامل يناهز 12 ألف جندي، بينهم 9 آلاف مقاتل و3 آلاف في وظائف مساندة وهو رقم يُعادل فعلياً خروج فرقة قتالية كاملة من الخدمة، والأزمة تزداد حدّة في الوحدات القتالية، حيث يشير الجيش نفسه إلى نقص بنحو 1600 ضابط ميداني، بالتوازي مع مستويات غير مسبوقة من الضغط العملياتي الذي إستنزف الجنود الدائمين والإحتياط على حدّ سواء. فبعد أكثر من عامين من العمليات العسكرية المتواصلة على سبع جبهات، يصل الجيش إلى حالة إنهاك قصوى، حيث يترك كثير من الجنود مواقعهم بعد دورتين أو ثلاث دورات قتالية، إمّا بسبب التعب والإنهيار النفسي، وإمّا بسبب نقلهم إلى وظائف غير قتالية، ما يؤدي إلى تفريغ الوحدات القتالية من عناصرها الأكثر تدريباً. ومع إقتراب مناقشة مشروع قانون إعفاء الحريديم من الخدمة، تتفاقم الأزمة فقد قدّم الجيش تقريراً صادماً للحكومة يؤكد أنّ 30% من كبار ضباطه سيغادرون العام المقبل، وأن 30% من جنود الإحتياط والخدمة الدائمة لن يعودوا إلى وحداتهم. ولتعويض هذا النقص، سيُضطر الجيش إلى إستدعاء جنود الإحتياط لمدة تصل إلى 70 يوماً سنوياً، رقم يقترب من إستنزاف كامل القوة الاحتياطية. إسحاق بريك، أحد أبرز المراقبين العسكريين في إسرائيل والقادة السابقين، يصف الوضع بأنه “أخطر أزمة بشرية في تاريخ الجيش”، مشيراً إلى موجات تهرّب ورفض متزايد للخدمة بين الرتب المختلفة. ومع الخسائر الكبيرة في حرب غزة، 923 قتيلاً و6399 جريحاً وقرابة 20 ألف مصاب باضطرابات ما بعد الصدمة (الأرقام أعلاه صادرة عن ألعدو) تتكوّن صورة جيش يعاني إنهياراً داخلياً متسارعاً، جيش لم يعد ذلك الجدار الصلب، بل مؤسسة تتآكل قبل أن تخوض أي حرب جديدة، وعلى المستوى السياسي، يعيش الداخل الإسرائيلي إرتباكاً تاريخياً، بلغ ذروته مع دخول بنيامين نتنياهو أخطر معاركه، معركة الهروب من السجن. فبعد خمس سنوات ونصف من محاكمته بقضايا فساد، فاجأ نتنياهو الجميع بطلب رسمي للعفو من الرئيس إسحاق هرتسوغ، مستنداً إلى ضغط مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي بعث برسالة يطلب فيها التسريع في منح العفو لصديقه المقرّب. بنيامين نتنياهو الذي يدرك أنّ النجاة القضائية مستحيلة دون غطاء أميركي، يسعى إلى تقديم نفسه للرئيس دونالد ترامب باعتباره وحده القادر على ضمان الإستقرار وتنفيذ الصفقة الأميركية المقبلة. لذلك يتحرك لإسكات اليمين المتطرّف، ولتهدئة الجبهات، ولإظهار قدر من المرونة السياسية بفتح المعابر ليس حبّاً بالفلسطينيين، بل سعياً لبناء صورة رجل الدولة الذي يحتاجه الرئيس ترامب. وهكذا تصبح إسرائيل نفسها رهينة معركة شخصية لرئيس حكومتها، حيث تُوظّف السياسة والأمن والقانون لخدمة هدف واحد وهو منع نتنياهو من دخول السجن. وفي موازاة الإنهيار الداخلي في الجيش الإسرائيلي والحكومة، تتكشف اليوم أزمة جديدة في مشروع تل أبيب الهادف لتفكيك غزة من الداخل عبر صناعة قوة بديلة للمقاومة. فقد شكّل مقتل ياسر أبو شباب قائد القوات الشعبية المناهضة لحركة حماس، الذي قدّمته إسرائيل كشخصية قادرة على إدارة غزة في اليوم التالي، صفعة مباشرة لهذه الإستراتيجية. فالرجل لم يُقتل في مواجهة مع المقاومة كما روّج الإعلام الإسرائيلي، بل جرى التخلص منه على يد أقربائه بعد إنكشاف تعاونه مع الجيش الإسرائيلي وتلقيه العلاج في مستشفى سوروكا في بئر السبع جنوب إسرائيل، ومع إنهيار ميليشياته خلال ساعات، تحوّل المشروع الإسرائيلي إلى فوضى مسلحة تنخر في بيئة أنشئت خارج أي شرعية شعبية، وما جرى يبرهن أن أي قيادة تصنعها إسرائيل محكومة بالفشل، وأن غزة ليست مكاناً يمكن فيه تنصيب زعيم من الأعلى، بل بيئة تسقط فيها سريعاً كل الشخصيات التي تعتمد على دعم خارجي لا على أرضية اجتماعية. وهكذا لم يسقط أبو شباب وحده، بل سقط وهمٌ كامل بنت عليه إسرائيل رهانات سياسية وأمنية طوال عامين، ويترافق هذا المشهد الداخلي مع حالة ذعر حقيقية في الدوائر المؤيدة لإسرائيل عالمياً. فالمليارديرة ميريام أديلسون تعبّر عن قلق غير مسبوق، وتتحدث عن عودة وجه معاداة السامية القبيح، معتبرة أن ما يجري في الغرب محاولة منظمة للفصل بين إسرائيل والغرب وتشويه صورتها عبر الضغط النفسي على يهود الشتات. هيلاري كلينتون بدورها، تقدّم تشخيصاً قالت فيه إن إسرائيل تمتلك أسوأ منظومة علاقات عامة في العالم، والأزمة لا تتوقف عند حرب غزة، بل تمتد إلى الشرخ العميق داخل المجتمع الأميركي نفسه، وخصوصاً بين الأجيال فالشباب بمن فيهم الشباب اليهود يبنون تصوّرهم عن إسرائيل من خلال منصات التواصل الإجتماعي، حيث تفشل الرواية الإسرائيلية فشلاً ذريعاً أمام الصور والوقائع القادمة من غزة. في المقابل، يحاول السفير الأميركي مايك هاكابي في القدس المحتلة الدفاع عن إسرائيل من زاوية التحالف المصيري الذي يزعم أنه يحمي الأميركيين أنفسهم. وبالتوازي، عبّر الملياردير الكندي سيلفان آدامز عن هواجس ديموغرافية خطيرة، مؤكداً الحاجة لجلب مليون مهاجر يهودي خلال خمس سنوات لتعويض الهجرة العكسية وإنقاذ التوازن السكاني. أما رئيس المؤتمر اليهودي العالمي رون لاودر، فيرى أن شعارات مثل “من النهر إلى البحر” و”عولموا الإنتفاضة” تمثل دعوات للقضاء على إسرائيل، ويحذّر من أن المناخ التربوي والإعلامي في الغرب يشجّع على كراهية إسرائيل، وعلى الضفة المقابلة، أطلق مسؤولون أميركيون تحذيرات لا تقل حدّة، فصرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن الإسلام المتطرف يسعى للتمدد والسيطرة على مزيد من الشعوب والأراضي، وأنه يشكل تهديداً واضحاً ووشيكاً للولايات المتحدة ألأمريكية التي يعتبرها المتطرفون مصدر الشر الأكبر. وأضاف أن التنظيمات المتطرفة تعادي السعودية والإمارات والبحرين لأنهم تحالفوا مع الولايات المتحدة، وتعادي إسرائيل للسبب نفسه، هذه التصريحات تكشف عن شبكة خوف متزايدة داخل مراكز النفوذ الإسرائيلي في الغرب أي خوف من التحولات الديموغرافية، من السوشيال ميديا، من الأجيال الجديدة، من فقدان السيطرة على السردية، ومن عالم لم يعد يتجاوب مع الرواية الصهيونية التقليدية. ومع تراجع التأييد الغربي، تلجأ إسرائيل إلى أدوات جديدة عبر إستقدام آلاف الشخصيات المؤثرة والإنجيلية من الولايات المتحدة ألأمريكية ضمن حملة منظمة لإعادة تشكيل الوعي الأميركي. وتتحول الزيارات إلى عروض مسرحية مصمّمة مسبقاً مثل مقابر جنود لزرع صورة الضحية، مواقع دينية لإستثارة التعاطف، أماكن أثرية لربط الرواية التوراتية بالواقع السياسي، حتى موقع مهرجان نوفا الموسيقي في الولايات المتحدة الأميركية يُعاد تحويله إلى منصة درامية تستثمر المشهد المؤلم لتصنيع التعاطف. وفي الوقت نفسه، تُمنع صور غزة والضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان من الظهور، ولا يُسمح بإدراج سياق الإحتلال أو الحصار أو القصف. هذه ليست جولات سياحية، بل جزء من حرب روايات تستخدم فيها إسرائيل الإنجيليين لإستعادة الزخم العاطفي في الولايات المتحدة، لكن مهما تضخمت الحملات، تبقى الحقيقة اليومية المنقولة بالصوت والصورة أكبر من أي دعاية. وعلى الضفة الأوروبية، تتّسع دائرة الرفض الشعبي والمؤسسي لإسرائيل. ففي 12 ديسمبر، يستعد آلاف الطلاب في عشرين مدينة أوروبية للإحتجاج ضد تمويل أبحاث إسرائيل العسكرية عبر برنامج هورايزن للبحث والإبتكار الذي بلغت ميزانيته 96 مليار يورو. ورغم أن بروكسل عاقبت روسيا فوراً بعد العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا بإقصائها من البرنامج، فإنها تعامل إسرائيل بتراخٍ لافت عبر مقترحات تعليق جزئية لا تتجاوز 20% الغضب الطلابي يطالب بطرد إسرائيل فوراً من البرنامج، خصوصاً بعدما إستفادت جامعاتها وشركاتها العسكرية، مثل شركة إلبيت المزود الأول للجيش الإسرائيلي بالمعدات القتالية والطائرات المسيّرة والصناعات الجوية، من نحو ثلاثة مليارات يورو استخدمت مباشرة لتطوير تقنيات استُخدمت في غزة خلال الحرب. والموجة هذه لم تقتصر على الجامعات فهولندا وإسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا إنسحبت من يوروفيجن 2026 رفضاً لمشاركة إسرائيل، في خطوة تمثّل صفعة ثقافية مؤلمة. وفي الرياضة، إنسحبت لاعبة التايكواندو الإيرانية روجان غودارزي رفضاً لمواجهة لاعبة إسرائيلية، وفي الوقت الذي تتسع فيه دائرة الرفض الشعبي والمؤسسي لإسرائيل على المستوى الرياضي، يبرز إنجاز فلسطيني يلفت الأنظار إذ حقّقت الفارسة ديانا الشاعر فوزاً تاريخياً على منافسها الألماني كلاوس روزر، لتصبح أول فلسطينية تتولى رئاسة لجنة رياضة الدريساج الدولية (Dressage) والذي يعتبر من أرقى أنواع فنون رياضة الفروسية. وهذا الإنجاز يكتسب أهمية مضاعفة، إذ أن البطولة كانت حكراً على الألمان لسنوات طويلة، ما يجعل نجاح الشاعر كسر إحتكار تاريخي، ويؤكد قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أعلى المناصب الرياضية العالمية، متحدّين بذلك القيود السياسية والإجتماعية المفروضة عليهم، ويقدّم نموذجاً بارزاً على صمود ونجاح الفلسطينيين في المجالات الدولية لا سيما في هذه الظروف العصيبة التي يمرّ بها الشعب الفلسطيني، وعلى مستوى الحركات الطلابية، يحمل إنتخاب الطالبة الفلسطينية أروى الريس لرئاسة إتحاد طلاب أوكسفورد دلالة كبيرة على الإنعطافة العالمية في المزاج الطلابي رغم محاولات عزلها بسبب مواقفها المؤيدة لفلسطين. وتتداخل هذه الأزمات العسكرية، السياسية، الإعلامية، الدبلوماسية والديموغرافية لتشكّل لوحة غير مسبوقة من التصدّع. جيش منهك، قيادة سياسية مأزومة، سردية عالمية تتهاوى، دعم غربي يفقد صلابته، وحملات علاقات عامة تواجه جيلاً لا يقبل بالرواية الجاهزة. إسرائيل اليوم في قلب لحظة اختبار كبرى، لحظة لا يمكن القفز فوقها أو تجميلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى