صحافة وآراء

دعوة سعودية-فرنسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية تزلزل مواقف الصهاينة وترامب

د. أروى محمد الشاعر

العالم يستفيق اليوم في لحظة فارقة من تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث شهدنا تحركًا غير مسبوق بدعوةٍ مشتركة من المملكة العربية السعودية وفرنسا للاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية. هذا النداء الذي جاء في وقت تتعالى فيه أصوات الشعوب وتتشظى الأقنعة عن وجوه الاستعمار، لاقى تأييدًا واسعًا من معظم الدول، في مشهد يعكس بداية انكشاف زيف الرواية الصهيونية أمام أعين العالم.

رئيس الوزراء البريطاني الجديد كير ستارمر، كان من أبرز المؤيدين لهذه الدعوة، مُعلنًا دعمه الواضح لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، على حدود ما قبل عام 1967. هذا الموقف يأتي ليرسخ توجهًا جديدًا في السياسات الأوروبية، التي بدأت تُراجع بصمتها الطويل تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة.

وفي المقابل، جاء رد دونالد ترامب كالعادة متعجرفًا، غارقًا في عنصريته الصهيونية ، إذ قال إنه “ليس لدينا موقف رسمي من ذلك، يمكن للمرء أن يجادل بأنك تكافئ حماس إن فعلت ذلك، وأنا لا أعتقد أن حماس يجب أن تُكافأ، لست في ذلك المعسكر لأكون صادقًا معك”.

لكن هذه التصريحات التي لم تعد تُرهب أحدًا، بدت اليوم كأصوات نشاز وسط جوقة دولية تنشد العدالة والكرامة لشعبٍ صُلبت قضيته على مذابح المصالح.

ترامب، الذي لطالما استخدم القضية الفلسطينية كورقة في مزاد انتخاباته، يجد نفسه اليوم معزولًا، عاجزًا عن مجاراة تيار الاعتراف المتنامي، وإن لم يُرِد الاعتراف، فسيُرغَم عليه هو ومن هم على شاكلته من الصهاينة لأن العالم بدأ يُدرك أن استمرار الاحتلال وصمت العالم عنه هو جريمة مشتركة.

لكن ما لفت الأنظار في جلسات النقاش، أن بعض المجتمعين رغم تبنيهم خطاب العدالة ابتدؤوا حديثهم بالإشارة إلى “الهجوم الوحشي لحماس” و”الرهائن الإسرائيليين”، وكأن ذلك هو مركز الحكاية. بينما تغافلوا عن مجازر الاحتلال الصهيوني المستمرة منذ عام 1948، عن مذابح دير ياسين وقبية وصبرا وشاتيلا وغيرها الكثير من آلاف المجازر، عن الحصار والتجويع، عن السجون التي تعج بآلاف الفلسطينيين دون محاكمات بمن فيهم الأطفال والنساء، وعن التنكيل الذي لم يتوقف يومًا بحق شعبٍ يرزح تحت استعمار عسكري استيطاني عنصري.

التحرك السعودي-الفرنسي لم يأتِ من فراغ، بل من إدراك بأن حل الدولتين ضرورة أخلاقية وإنسانية وأمنية، فالقضية الفلسطينية غدت ضميرًا حيًا يوقظ الأمم من سباتها ويدفعها إلى إعادة تعريف العدالة في زمن الهيمنة.

لقد تجاوزت المسألة اليوم حدود البيانات البروتوكولية، وبدأت تتحول إلى اعترافات فعلية، تُمهّد لخطوات قادمة ستعيد للفلسطينيين بعضًا من حقوقهم المسلوبة، وعلى العالم أن يفهم أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس هبة، بل تصحيح لمسار طويل من الظلم والتواطؤ.

وإذا كان ترامب لا يريد الاعتراف، فالعالم سيعترف. وإذا كان يتوهم أنه قادر على عرقلة المسار، فعليه أن يرى كيف بدأت تسقط الأصنام التي صنعها التحالف الصهيوني الغربي على مدى قرن. فالاعتراف قادم رغماً عنه، وعن كل من يراهن على محو الهوية الفلسطينية وسرقة الأرض، فإن لم يعترف اليوم، فسيضطر غدًا هو ومن معه من رافضي العدالة، فمسيرة التحرر لا تنتظر موافقة الطغاة، والتاريخ لا يُكتب بأهواء الاستعمار، بل بإرادة الشعوب، والشعب الفلسطيني باقٍ ومقاوم ويقترب من تحقيق دولته، دولة الحق، وهذا الحق بات يفرض نفسه لا بمطالبة المتضامنين فقط، بل بتحولات السياسات في عالم يسير نحو التعددية القطبية وإنهاء الهيمنة الأمريكية المتصهينة ، وصرخات الأمهات الثكالى، وأشلاء الأطفال تحت ركام غزة.
اليوم يجد الكيان الصهيوني نفسه أمام مشهد متغيّر: لم يعد العالم صامتًا، صص ولم يعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية مجرد حلم بل خيارًا جادًا تطرحه قوى كبرى بصوت مرتفع.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى