
اعتقدوا واهمين بأن صواريخهم الفتاكة قادرة على محو ذكرك، فحجبوك عن الأنظار وأحيوْك في الوجدان، وانبعثت من رماد الركام كطائر فينيق أجدادك في جبل عامل الأشم، ليجدوك حاضراً روحاً وجسداً ليس في الوجدان بل في تفاصيل الميدان، مع كل صرخة رامٍ لصاروخ ومطلقاً لمُسيّرة ومشتبكٍ على الحدود، ونازح فقد مسكنه: “لبيّيك يا نصر الله”.. “فدى روحك نصر الله”.. وبإطلالتك البهيّة في الميدان أحييت معان كثيرة لمفردات غابت لقرون عديدة خلت بريقها وكينونتها، فبعد أن كنّا نسمع ونقرأ من صفحات التاريخ التليد عن معاني الرجولة والكرامة والمروءة والشهامة والتضحية والفداء والمجد ومثيلاتها من مفردات العزّة والشموخ والسؤدد.. بتنا نراها بام العين تتجسّد واقعاً ملموساً في ميادين الشرف التي أفنيت زهرة شبابك وكهولتك في صنعها بعرق جبينك الوضّاء لبنة فوق لبنة إلى أن أضحت صرحاً بل قلعة عصيّة على كلّ معتدٍ أثيم، تصدح أسوارها المنيعة وبيوتاتها بصدى صوتك الشجيّ: “هيهات منّا الذلّة”، فكانت فعلاً “هيهات منّا الذلّة”..
في اربعينية فِراق جسدك الطاهر، ها هم أجيالك التي ربّيت، فأحسنت التربية، يُسطّرون بأحرف من نور معاني قصائد الشاعر العراقي الجواهري “يا دجلة الخير”، واللبناني جبران خليل جبران “لكم لبنانكم، ولي لبناني”، والتونسي ابو القاسم الشابي “إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر، ولا بدّ لليل أن ينجلي ولا بدّ للقيد أن ينكسر”، والمصري الأصيل علي محمود طه المهندس “أخي جاوز الظالمون المدى فحقّ الجهاد وحقّ الفدا، أنتركهم يغصبون العروبة مجد الأبوّة والسؤددا؟ فلسطين تحميكِ منّا الصدور فإمّا الحياة وإمّا الردى”، والفلسطيني شهيد معركة “الشجرة” عبد الرحيم محمود “سأحمل روحي على راحتي وأُلقي بها في مهاوى الرّدى، فإمّا حياة تسرّ الصديق وإمّا ممات يُغيظ العدى”… في أربعينية تواريك عن الأنظار، كما تمنّيت بمحض إرادتك، سيّداّ الشهداء على طريق القدس، و”السيّد” حيّ لا يموت.. نعترف لك دون ضغط أو إكراه بأنّك في حياتك قد أينعت الأمل في عقول الملايين حول العالم وأدخلت السرور في قلوب كلّ محبٍّ مخلص وصديق وفيٍّ، مثلما أغظت في استشهادك كلّ العِدى والمتخاذلين، ووجهت البوصلة لكلِّ منحرف وضالٍّ عن الطريق القويم، وما زلت وستبقى حاضراً في الميدان كما في الوجدان، فامثالك لا يغيبون عن الساح ولا يُلقون السلاح، فأنت كنت وستبقى “الأيقونة” بجدارة وأنموذج “الغائب الحاضر”، وبذورك التي بذرت في الأرض، كل الأرض، ها هي تشقّ الأرض، وتنمو، ويشتدّ عودها، وتتطاول أغصانها والفروع في مختلف الرّبوع، تلوّح براية “وعدك الصادق” وتطرح ثمراً حلو المذاق لأجيال يسيرون على ذات المنوال..