
قبل أن يعود المراسل الحربي الإسرائيلي ـ الأمريكي “آموس هوكشتاين” مجدداً إلى لبنان، ويضعه في دوّامة “عملية” تفاوض لا نهاية لها.. من الواجب تذكير المفاوض اللبناني بجملة من الحقائق التي تضبط إيقاع كافة تحركات واشنطن وتل أبيب في هذا المضمار، تلك التحركات المتعرّجة والتي تتلوّن وتتبدّل آخذة صيغ واشكال متعددة لذات المضمون والجوهر، كما يفعل الحاوي وجرابه على خشبة المسرح، وكما ينصب الصياد فِخاخه المختلفة ويدوّر زواياه للتمويه والخديعة بغية إيقاع فريسته واصطيادها في نهاية المطاف.
لعل التجربة الفلسطينية الطويلة والمريرة تستحق الدراسة بعمق وتمعّن لما تحتويه من دروس وعبر هامّة ومفيدة في هذا الشأن، يمكن تكثيفها وإيجازها بالآتي:
إن واشنطن والغرب الاستعماري وصنيعتهم بل مشروعهم في المنطقة الشرق أوسطية لا يعترفون بالقانون الدولي والإنساني والمنظمة الدولية بكافة تشكيلاتها منذ اليوم الأول لاختطاف “الكيان” المشروعية الدولية، ويتعاملون مع هذا القانون وتلك المنظمة كأداة بيدهم للسيطرة والهيمنة على العالم وخداع وعقاب الآخرين فقط، وهو ما تؤكده كل الوقائع التاريخية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتشكيل الأمم المتحدة كوريث لعصبة الامم المتحدة التي أوجدوها هم أنفسهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
منذ إبرام كامب ديفيد يوم 17/9/1978 نتيجة 12 يوماً من “المفاوضات السريّة” بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء المجرم مناحيم بيغن أحد مؤسسي عصابة “الأرغون” الإرهابية والتي تحولت لحزب “حيروت” السياسي، ونصّ أبرز بنودها على “إنهاء الحرب بين الدولتين وإقامة علاقات ودية بينهما”، ثم مؤتمر مدريد 1991 تحت عنوان “مبادلة الأرض بالسلام”، والتي جاهر حينها المجرم اسحق شامير زعيم “ليحي” المعروفة باسم “عصابة شتيرن” الإرهابية بالقول الصريح: “أستطيع أن أفاوض مئة سنة، ولكنه بلا فائدة، فلن أتنازل عن ذرة تراب واحدة”. ثم جاءت اتفاقية أوسلو 13/9/1993 بعد جولات طويلة من “المفاوضات السرية” أيضاً، وأوسلو 2 بتاريخ 28/9/1995 في “طابا” المصرية والتي تسمّى الاتفاق الانتقالي بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة لكنها لم تتضمن وعد بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ولم تعالج القضايا الأساسية الجوهرية: الحدود، اللاجئين، القدس، المياه. وأعقبها مباشرة اغتيال رابين يوم 4/11/1995 خلال مهرجان خطابي مؤيّد للسلام في ميدان “ملوك إسرائيل” ـ ميدان رابين حالياً ـ في تل أبيب، حينما أقدم اليهودي المتطرّف “إيجال أمير” على إطلاق النار عليه بتحريض من نتنياهو والليكود والعصابة الحاكمة نفسها حتى يومنا هذا لكونه خائناً، وبمقتله قتلت ما تسمى “عملية” السلام. ويتضح مما سبق جملة من الحقائق، أهمها على سبيل المثال لا الحصرهو أن الهدف الحقيقي ليس “السلام” أو حتى “التطبيع” بل “العملية” بحد ذاتها، كسباً للمزيد والمزيد من الوقت لخلق وقائع ومكتسبات إضافية جديدة على الأرض، كي تستأنف العملية وفقها تجسيداً لمنطق “نأخذ ولا نُعطي” والمبدأ الغربي والصهيوني الماكر “ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم” وهكذا دواليك. ويلاحظ الإصرار على مبدأ السريّة في التفاوض بغية الابتزاز والضغط وشراء الذمم والأريحية في تقديم الإغراءات الشخصية، وحتى الإيقاع والاصطياد في شباك الموساد التي تستخدم شتى الأساليب الوضيعة وحتى الجنس… ويلاحظ كذلك أن موضوع التنازل عن الأرض المغتصبة وتحديد حدود “الكيان” وموضوع اللاجئين والمياه خطوط حمراء وثوابت غير خاضعة لاي تفاوض أو مساومة بكونها جوهر الاستراتيجية الصهيونية المدعومة غربياً القائمة على خرافة “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل” ثم قد يتم التفاوض على ما عداها…
كما أن موضوع الصياغة الملتسبة وحمّالة الأوجه المتعددة والتفسيرات المتباينة تمثّل أحدى أساليب الخداع والدهاء المستخدمة كسلاح للإيقاع بالخصم، ورمي الكرة دائماً في شباكه، وتحميله دائماً مسؤولية إفشال ما يُسمى عملية السلام والتفاوض وإضاعة فرص الإتفاق، وكسب المزيد من الوقت لخلق وقائع ومكتسبات جديدة، بحيث يصبح الخصم دائماً هو المتهم والشمّاعة التي تُعلّق عليها كافة التبريرات المطلوبة أصلاً. ودائماً ما تُصاغ الاتفاقات ومسودّاتها وهم متيقّنين من رفض الآخر لها، بل وتُصاغ بهدف هذا الرفض من أساسها، وذلك بعد اللعب على مشاعر التفاؤل تارة والتشاؤم تارة أخرة وفق مقتضيات الحال…
وها هم يحاولون وضع لبنان في ذات الدوّامة، ويكررون ذات السينايو الغزّاوي والفلسطيني والعربي، ويختزلون ما يجري على أنه حرب بين “إسرائيل” الضحية المعتدى عليها وبين “حزب الله” الإرهابي وفق تصنيفاتهم الرسمية، وليس حرباً على لبنان الدولة والشعب والتراب الوطني، مثلما اختزلوا حربهم لتصفية قضية فلسطين وطناً وشعباً على أنها مع “حماس” الإرهابية بحسب التصنيفات ذاتها.. أمّا ماذا يريدون من لبنان فيتمثّل في: انتزاع السيادة الوطنية بشتى الصّيغ جوّاً وبحراً وبرّاً، ضمان “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس” بما تراه مناسباً، فرض الوصاية الدولية وربما بمشاركة عربية عليه بحجة الرقابة على التزامه بالقرار 1701، خلق فتنة داخلية وربما حرب أهلية جديدة إن أمكن لتنفيذ ما يريدون بأيادي لبنانية، بعد فشل “الكيان” في الميدان. إنهاء المعادلة الذهبية الثلاثية التي منحت لبنان قوّتة: الجيش، الشعب، المقاومة، وكسر وتشظي أضلاع هذا المثلث، وجعلها تواجه بعضها ما أمكن. فضلاً عن فصل لبنان عن غزة وفلسطين، وتفتيت وحدة الساحات التي آلمت تل أبيب أيّما إيلام لم تشهده في تاريخها، ولم تتوقعه هي وصانعيها من الأساس… هذا ما يريده أعداء لبنان وفلسطين وعموم العرب والمسلمين، أمّا ما يريده لبنان وسائر الحريصين عليه، فوحده الميدان الذي سيقدّم الإجابات الشافية الوافية. وللحديث بقية..