خاص - ماتريوشكا نيوز

غزة تحت نار حرب التجويع… الاحتلال يحاصر الأرواح بلقمة الخبز

ماتريوشكا نيوز - بيروت

بتاريخ 23 آب/أغسطس 2025، أعلنت الأمم المتحدة رسمياً وقوع حرب تجويع في قطاع غزة. تُعد هذه المرة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط التي يُستخدم فيها التجويع كأداة ممنهجة ضد شعب بأكمله، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. وفق تصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي (IPC)، يعيش أكثر من 640,000 فلسطيني في القطاع في حالة جوع قاتل، وهي مستويات تهدد حياتهم مباشرة، مع توقعات بزيادة الأعداد في الأسابيع المقبلة إذا استمر الحصار الخانق والتدمير المنهجي للبنية التحتية.

مشاهد يومية تقشعر لها الأبدان
على امتداد شوارع قطاع غزة المدمّرة، باتت مشاهد الطوابير الطويلة أمام الأفران ومعابر الخبز جزءاً من الحياة اليومية للسكان. يقول أحد المواطنين: “آخر معونات غذائية دخلت القطاع كانت في نيسان/أبريل، ومنذ ذلك الحين نحاول البقاء على قيد الحياة بإعادة تدوير الأعشاب المهضومة أو استخدام الطحين الفاسد”.

هذه المشاهد المؤلمة ليست استثناءً، بل أصبحت القاعدة في قطاع غزة. حالات سوء التغذية الحادة بين الأطفال سجلت ارتفاعاً مقلقاً، إذ قفزت النسبة إلى حوالي 16.5% خلال شهرين فقط، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدلات السابقة. هذا الوضع الكارثي يتزامن مع انهيار شبه كامل في نظام الرعاية الصحية، حيث تعجز المستشفيات عن تقديم العلاج اللازم بسبب نقص الأدوية والمعدات الطبية، إلى جانب الانقطاع المستمر للكهرباء.

الحصار كأداة حرب ممنهجة
ما يحدث في غزة ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو سياسة متعمدة تهدف إلى القضاء على صمود الشعب الفلسطيني. الاحتلال الإسرائيلي يستخدم الحصار كأداة حرب، حيث يمنع دخول الغذاء والدواء ويستهدف البنية التحتية الزراعية والصحية بالتدمير والتجريف.

تشير الإحصائيات إلى أن 98% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة أصبحت غير صالحة للزراعة بسبب القصف والتجريف المستمرين. كما تتعرض عمليات الإغاثة الإنسانية لعراقيل متعمدة، حيث يتم منعها من الوصول إلى المحتاجين أو استهدافها بشكل مباشر.

تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن هذه ليست كارثة طبيعية، بل سياسة تجويع ممنهجة تهدف إلى زعزعة صمود السكان وإضعاف مقاومتهم. الاحتلال يهدف من خلال هذه السياسات إلى خنق الحياة في القطاع، ليس فقط جسدياً، ولكن أيضاً معنوياً.

غزة تصمد رغم الجوع
رغم كل الظروف القاسية، يرفض سكان غزة الاستسلام. في مواجهة الحصار والجوع، أطلق سكان القطاع مبادرات مجتمعية تسعى لتخفيف المعاناة. من بين هذه المبادرات، إنشاء مطابخ جماعية تقدم آلاف الوجبات يومياً للفقراء والمحتاجين، إضافة إلى مشاريع زراعة منزلية بدائية تهدف إلى توفير الحد الأدنى من الغذاء.

هذه المبادرات ليست فقط وسيلة للبقاء، بل هي أيضاً رسالة تحدٍ للعالم، حيث يردد سكان غزة شعارهم: “قد نموت جوعاً، لكننا لن نركع”. هذه الروح المقاومة تعكس إرادة الحياة التي يتمسك بها أهالي القطاع، رغم محاولات الاحتلال لكسرهم.

صمت دولي وتطبيع مشبوه
على الصعيد الدولي، لا تزال مواقف المجتمع الدولي تتسم بالضعف والخذلان. بيانات “القلق” التي تصدر عن الأمم المتحدة وبعض الدول الغربية لا تتجاوز حدود الكلمات، بينما تفتقر إلى خطوات فعلية لإنهاء معاناة سكان غزة.

أما في العالم العربي، فإن التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي يأخذ منحى مقلقاً. بعض الأنظمة العربية تختار تجاهل معاناة الفلسطينيين في القطاع، بل وتستثمر في علاقات اقتصادية وسياسية مع الاحتلال، مما يعمق الشعور بالخيانة لدى الشعب الفلسطيني.

هذه المواقف المخزية تعكس تواطؤاً ضمنياً مع جرائم الاحتلال، حيث يتم وضع المصالح السياسية والاقتصادية فوق الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية.

حرب التجويع… إرادة المقاومة
ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة إنسانية، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان. الاحتلال يستخدم التجويع كسلاح بطيء، ولكنه قاتل، بهدف القضاء على صمود الشعب الفلسطيني وإرادة المقاومة.

حتى الآن، تشير التقارير إلى وفاة 281 شخصاً نتيجة الجوع، بينهم 114 طفلاً، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام ليست سوى جزء بسيط من المعاناة اليومية التي يعانيها سكان غزة.
رغم كل ذلك، تبقى غزة رمزاً للصمود والتحدي. سكانها يواجهون الحصار والجوع والقصف بصبر وعزيمة، مؤكدين أن الاحتلال لن يتمكن من كسر إرادتهم. غزة تصرخ للعالم، لكنها أيضاً تصرخ لنفسها: “لن نركع”.

القضية في غزة ليست مجرد أزمة إنسانية تحتاج إلى حلول إغاثية، بل هي معركة وجود. الحصار والتجويع ليسا أدوات حرب عادية، بل أسلحة تستهدف الروح قبل الجسد. ومع ذلك، تثبت غزة مرة أخرى أن إرادة الحياة أقوى من محاولات الإخضاع، وأن التجويع والقصف لن يُطفئا جذوة المقاومة، بل يزيدانها قوة.

غزة ليست مجرد منطقة جغرافية، بل هي رمز لصمود الإنسان في وجه الظلم. ورغم كل محاولات الاحتلال لإطفاء هذا الضوء، تبقى غزة شاهداً على أن الحرية ليست مجرد كلمة، بل هي حياة تُناضل من أجلها الشعوب، حتى آخر نفس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى