صحافة وآراء

مستقبل أوكرانيا والضمانات الأمنية

رامي الشاعر

ما أن انتهت قمة ألاسكا بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب حتى بدت مؤسسات القيادة الأوروبية وكأنها خلية نحل بين لقاءات ونقاشات وتكهنات في معنى القمة والحدث وتبعاته.

شخصيا، أثق بصدق في نوايا الرئيس الأمريكي ترامب، وأملي أن يفضي زلزال أنكوريج السياسي وما تلاه وسيتلوه إلى خطوات جادة لحل القضية الأوكرانية.

لكن ما رأيناه جميعا بعد دعوة ترامب للرئيس الأوكراني المنتهية صلاحيته وشرعيته زيلينسكي إلى واشنطن يوم الاثنين الماضي، أعني هذا الهلع الأوروبي غير المسبوق، وإعلان القادة الأوروبيين تباعا حضورهم هذا الاجتماع مع “التلميذ” زيلينسكي الذي ربما يخاف من “حضرة الناظر” ترامب الذي نهره في المرة السابقة، فبراير الماضي، لعدم حضوره إلى المكتب البيضاوي “بالزي المدرسي”، كل هذا القلق والتوتر والخوف يؤكد بما لا يدع مجالا للشك تورط أوروبا في الحرب الجارية ضد روسيا بأيدي أوكرانيا.

عقد اللقاء، بينما ارتدى زيلينسكي “الزي” المناسب للقاء الرئيس ترامب، ولم ينس الأخير أن يحييه على ذلك، فقال حينما التقاه لدى خروجه من السيارة: “أراك مهندما اليوم!”.

في لقاء القمة، وبعد التحية وتبادل المجاملات، اتفق الجميع على تبادل الأراضي مقابل الضمانات الأمنية، بينما غاب ترامب في مكالمة هامة مع الرئيس بوتين استمرت 40 دقيقة، ليعود وقد اتفق على لقاء ثنائي بين بوتين وزيلينسكي، وقال إن الرئيس الروسي وافق على تلك الصيغة. وعاد القادة إلى أوروبا ليناقشوا تلك “الضمانات الأمنية”.

كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني قد عرضت في وقت سابق أن تكون الضمانات الأمنية لأوكرانيا في صيغة المادة الخامسة من ميثاق “الناتو” (التي تنص على الدفاع الجماعي) ولكن دون أن تنضم أوكرانيا إلى “الناتو”، وعرض ترامب أن تشارك الولايات المتحدة “بشكل ما” في هذه الضمانات، بما أسموه في أوروبا بـ “المصد الأخير” Back Stop، حيث تتعهد الولايات المتحدة بضمان أن تقف في ظهر أوروبا حال عجزها عن صد العدوان.

رأيي المتواضع أن أمن أوكرانيا الحقيقي إنما يرتبط بشكل مباشر بأمن روسيا. ومفهوم الأمن القومي لكلا البلدين متساو في جوهره، نظرا للطبيعة الجغرافية للبلدين، وللتاريخ الذي يربط الشعبين، والعلاقات الودية وتبادل المنفعة مع روسيا على كافة المستويات هو الضمانة الوحيدة الأكيدة والأكثر موثوقية لأمن أوكرانيا وروسيا على حد سواء. سيكون هذا هو الأكثر موثوقية والأفضل بكثير من رعاية وإشراف دول “الناتو”، الذين لم يقفوا مع أوكرانيا كما ينبغي والشعب الأوكراني يشهد على ذلك ورأى بأم عينيه كيف يتوسل مسؤولوه وسفراؤه المساعدات والمعونات وينتظرونها فلا تأتي، ثم تأتي متأخرة أو لا تأتي بتاتا.

لقد وصف الرئيس بوتين ما يحدث في أوكرانيا بالمأساة والألم الشديد، وأعرب عن اهتمامه بوضع حد لهذا. في الوقت نفسه أكدت القيادة الروسية مرارا وتكرارا أن الأحداث في أوكرانيا مرتبطة بتهديدات جوهرية للأمن القومي الروسي، حيث لا تكمن المشكلة في أوكرانيا نفسها التي يتم استخدامها كأداة، وإنما في تمدد حلف “الناتو” شرقا، بينما تستخدم أوكرانيا بأيدي النظام الأوكراني النازي في كييف لاستهداف واستنزاف روسيا وانتهاك سيادتها. لهذا يجب أن تكون تسوية الأزمة الأوكرانية مستدامة وطويلة الأمد وهو أمر بالغ الأهمية.

أما ما عرضه مبعوث ترامب لأوكرانيا الجنرال كيث كيلوغ بشأن وقف إطلاق النار غير المشروط، وما اتفقت عليه أوروبا، ومع ما يمكن أن يبدو ظاهريا أنه من أجل “وقف سفك الدماء”، إلا أنه سيستخدم في إعادة تسليح الجيش الأوكراني وتنسيق القوات الأوكرانية لصفوفها وإجراء مزيد من التعبئة، والتشاور مع الحلفاء في أوروبا من أجل عودة القتال في وقت لاحق بشراسة أكبر وعلى نطاق أوسع ما يمكن أن يتسبب في سقوط ضحايا أكثر بكثير.

لهذا ترى القيادة الروسية أنه يجب حل المشكلة من جذورها والقضاء على الأسباب الجذرية لهذه الأزمة، وهو ما أصر ويصر عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لا بد من استعادة التوازن العادل والآمن وبناء هيكل أمني يضمن الأمن لكل دول القارة الأوروبية على حد سواء.

لا شك أن تراجع ترامب عن التعامل مع الوضع بسطحية مع مرور الوقت هو أمر محمود يستحق الثناء، والسعي إلى استيعاب الموقف الروسي، الذي طرحه الوفد الروسي في ألاسكا، هو ما أثمر عن تعمق الطرف الأمريكي في الوضع وإدراك أن إطلاق النار قد ينهار بسرعة، والأولوية لا بد وأن تكون لاتفاق طويل الأمد، وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن نؤكد في هذا السياق على التصريحات الإيجابية لترامب بتأكيد حق روسيا في شبه جزيرة القرم واستبعاد انضمام أوكرانيا إلى “الناتو”.

دعونا في هذا المقام نتذكر مرة أخرى كيف أشار الرئيس بوتين في 2007 إلى مخاطر توسع “الناتو” شرقا، وحينها لفت انتباهه بشدة ظهور قواعد أمريكية في بلغاريا ورومانيا، ثم عاد وحذر لاحقا مرارا وتكرارا على أعلى المستويات من هذا التوسع، مؤكدا أن الدولة الروسية لا تخطط للعدوان على الدول الأوروبية.

لكن الغرب تجاهل كل هذه التحذيرات، وارتفع عدد دول “الناتو” من 16 إلى 32 دولة وإذا كانت حدود التحالف عند تفكك الاتحاد السوفيتي تمتد إلى ألمانيا الشرقية حيث تبعد برلين 1600 كيلومتر عن موسكو، والآن تبعد حدود أوكرانيا 700 كيلومتر فقط، بينما يجري حلف “الناتو” مناورات مشتركة مع أوكرانيا.

لقد بلغ التوتر في العلاقات الروسية الأمريكية، قبل القمة الأخيرة في ألاسكا، مستوى أعلى من مستوى أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، ويعني ذلك أن شيئا لن يعود إلى طبيعته بضغطة زر، فالعقد الصعبة بين البلدين كثيرة ومتشابكة، بدءا من أوكرانيا وانتهاء بجنوب القوقاز، مرورا بمولدوفا (قضية بريدنيستروفيه)، وجورجيا، وسوريا، والشرق الأوسط بصفة عامة. وفي كل هذه المناطق تتقاطع المصالح في أغلب الأحيان، وتتوازى في بعضها، وكل هذا يجب أن يتم حلحلته بهدوء وبلا عصبية.

وربما يكون التعاون في الحرب العالمية الثانية للقضاء على النازي تجربة يجب العودة إليها لاستلهام عقلانية القوى العظمى، التي يمكنها، برغم أي تناقضات، أن تتحد في مواجهة تهديدات بالغة الخطورة. كذلك، ففي حقبة الحرب الباردة، حافظ الجانبان بعناية على ذكرى الأحداث التاريخية المشتركة، وأتصور أن وضع الرئيس بوتين إكليلا من الزهور عند النصب التذكاري للطيارين الروس والأمريكيين بماغادان في طريقه إلى أنكوريج بألاسكا هو حدث رمزي يعبّر عما نحتاجه اليوم من حكمة ورشادة ورصانة في اتخاذ القرارات والإجراءات بينما كنا نقف جميعا، وربما لا زلنا إلى حد ما، نقف على حافة صراع نووي كبير.

كذلك وضع بوتين في ألاسكا، عند موقع دفن الطيارين السوفييت الذين سقطوا خلال المهمات القتالية في الحرب العالمية الثانية، إكليلا آخر من الزهور على قبر الجنود السوفييت، وشكر مدير مقبرة فورت ريتشاردسون الوطنية دواين ماندنهال على حفاظه على ذكرى الجنود السوفييت ومعاملته الكريمة لهم، مشيرا إلى احتفاظ ألاسكا بتراث ثقافي ضخم يعود إلى حقبة ألاسكا الروسية من بينها الكنائس الأرثوذكسية وأكثر من 700 اسم جغرافي روسي الأصل، الأمر الذي يختلف كلية عما رأيناه ونراه في دول البلطيق وبولندا وأوكرانيا الحديثة التي يحاولون فيها التخلص من النصب التذكارية للحرب العالمية الثانية التي حررت أوروبا من النازية، في محاولة خبيثة لتزييف التاريخ وإعادة إنتاج النازية.

أعتقد أننا بصدد أيام حاسمة في حل الأزمة الأوكرانية أتمنى أن تتكلل بمفاوضات بناءة ومثمرة سواء في صيغة ثنائية أو ثلاثية.

كاتب

  • رامي الشاعر

    كاتب ومحلل سياسي روسي من أصول عربية - مستشار لوزراة الخارجية الروسية لشؤون الشرق الأوسط تعتبر مقالاته تعبيراً عن الموقف الروسي شبه الرسمي. السيد رامي الشاعر فلسطيني الأصل ومن عائلة فلسطينية عرفت بنضالها وثقافتها ونهجها الوطني العروبي الاصيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى