
نقلا عن موقع جريدة الأخبار اللبنانية
لا يمكن أن يقتصر دور الولايات المتحدة، في سوريا، طبقاً لمراقبين، على مجرد التفرج على ما ستؤول إليه الأوضاع في البلاد، وإن كان الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، يرى أنّه «ما من مشكلة فعلية» في أن تكون تركيا هي من يمسك بـ«مفتاح سوريا» في المدة القادمة. وعلى ما يبدو، سيكون التمويل والعقوبات الأدوات الأكثر «نفوذاً»، والتي قد تلجأ إليها واشنطن لإجبار السلطة الجديدة في دمشق على الامتثال، قدر المستطاع، لمطالبها، وعدم اتباع «مسار» يضر بمصالح الولايات المتحدة، وصولاً حتى إلى التدخل، علناً، في أي انتخابات قد تشهدها سوريا قريباً.
وفي إطار النقاشات المستعرة حول الدور الأميركي المستقبلي في سوريا، يورد «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» مقالاً بعنوان «على الولايات المتحدة ألا تتخلى عن سوريا»، جاء فيه أنّه في حين أنّ ترامب قد يكون محقاً في أن سوريا تشهد حالياً «حالة من الفوضى»، إلا أنّه لا يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل تكاليف «ترك تحدي تأمين الانتقال نحو وضع مستقر في سوريا على عاتق الآخرين وحدهم». وينصح كاتب المقال، دينس روس، الذي أمضى سنوات عدة في تقديم المشورة لرؤساء الولايات المتحدة من كلا الحزبين حول الشرق الأوسط، منذ عهد إدارة رونالد ريغان، واشنطن، بالحفاظ على وجودها العسكري «الصغير نسبياً» في سوريا لحماية البلاد من عودة تنظيم «داعش»، والهجمات على «حلفاء الولايات المتحدة من الأكراد السوريين»، والتي قد تتسبب في مزيد من «الفوضى والمعاناة».
وبناءً على الرأي المتقدم، على واشنطن أن «تستخدم أدواتها الاقتصادية والديبلوماسية القوية»، لضمان ألا تقوم الحكومة الجديدة في سوريا، والجهات الفاعلة الخارجية القوية مثل تركيا، ببناء «دولة جهادية تضطهد الأقليات السكانية»، أو السماح بعودة تنظيم «داعش». ويتابع التقرير أنّه رغم أنّ خطوة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، والمتمثلة بزيارة تركيا لمحاولة إيجاد «نهج مشترك» بشأن سوريا، هي في «الاتجاه الصحيح»، إلا أنّ مثل تلك المهمة لن تكون سهلة، لا سيما أن بلينكن يتعامل مع نظيره هاكان فيدان، الذي لا يزال متمسكاً بضرورة مغادرة العناصر الكردية الأساسية الأراضي السورية.
وعليه، وفي محاولة لمجاراة تركيا، التي أصبحت «القوة الخارجية المهيمنة» داخل سوريا، يجب على واشنطن أن تعي أنّها «ليست من دون نفوذ»، وأنّ أنقرة بحاجة ماسة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار في سوريا، لكي يتمكن 3.2 ملايين لاجئ سوري من مغادرتها إلى بلدهم، وأن تستغل، كذلك، واقع أنّه من أجل أن تحقق «هيئة تحرير الشام» الاستقرار، وتتمكن من بناء سلطتها، يجب عليها، أولاً، التخلص من الظروف الاقتصادية المزرية في سوريا ووضع مسار للتنمية، وهي شروط، طبقاً للتقرير، «غير ممكنة» من دون رفع العقوبات الأميركية. ومن هنا، يجب أن «يدرك كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهيئة تحرير الشام أنه لا يمكن رفع العقوبات من دون ثمن»، ومن دون الالتزام بـ«المبادئ» التي أعلنها بلينكن، في إشارة إلى نية واشنطن فرض «إملاءاتها» حول مستقبل الحكم في البلاد، عبر التلويح بورقة العقوبات. وبالإضافة إلى جعل شطب «تحرير الشام» من قائمة المنظمات الإرهابية «مشروطاً بأداء الأخيرة»، ثمة أمر آخر يمكن أن تفعله الولايات المتحدة، للمساعدة في «خلق سوريا جديدة لا تشكل تهديداً لشعبها أو جيرانها أو لها»، وهو الإبقاء على الوجود الأميركي في سوريا في الوقت الراهن على أقل تقدير.
على الضفة نفسها، جاء في تقرير نشره «المجلس الأطلسي»، أنّ الأشهر القليلة المقبلة ستشهد «صراعاً على السلطة بين الجماعات المناهضة لنظام الأسد في دمشق وغرب سوريا»، كما سيسعى، على تلك الأرضية القابلة للاشتعال، «أنصار النظام السابق واللاعبون الخارجيون مثل إيران إلى العودة إلى المشهد»، على حدّ تعبير كاتب التقرير. ويتابع أصحاب هذا الرأي أنّه لـ«سخرية القدر، فإنّ المجموعة التي سيكون لديها أكبر قدر من الأسلحة وتتحكم في أكبر كمية من الأموال»، ستكون صاحبة «الصوت» الأعلى في السياسة السورية، فيما سيكون، على الضفة المقابلة، من «السذاجة الاعتقاد بأن السوريين سيقررون من سيحكمهم سلمياً، وبمفردهم، من دون تدخل خارجي»، إذ إنّ «الدعم الخارجي، والعنصر الداخلي، سيكونان حاسمين» في تحديد مستقبل الحكم. ويرى معدّ التقرير أنّه فيما سيتحدث الوسطاء الدوليون «ذوو النوايا الحسنة»، من مثل أولئك الذين كان من المفترض أن ترسلهم «الأمم المتحدة» بموجب قرار مجلس الأمن 2254 إلى سوريا، عن ضرورة تشارك السلطة ووضع دستور يقود البلاد، فإنّ القوة الحقيقية على طاولة المفاوضات ستكون بيد المجموعات التي تمتلك معظم الأسلحة، ومعظم المال. والأمر نفسه ينسحب على «المجتمع المدني الناشئ» الذي تحتاجه سوريا، إذ إنّ تأثيره سيكون «بسيطاً»، ومدفوعاً، في حال وُجد، بتدخلات خارجية.
وفي حين أنّه بحلول أواخر عام 2025، أو بداية عام 2026، سيتم دفع «الأمم المتحدة» إلى الإشراف على «انتخابات في سوريا»، فإنّ كثيرين سيجادلون فور نهايتها، طبقاً لأصحاب هذا الرأي، بأنّه كان من «المبكر جداً» إجراؤها؛ إذ إنّه وبينما سيصر خبراء الانتخابات على «نظام تمثيل نسبي»، لإعطاء «جميع الفصائل السياسية السورية» الحق في التمثيل، ظاهرياً، فإنّ مثل تلك الانتخابات لن تسهم، عملياً، إلا في ترسيخ «أصحاب السلاح والمال». وعليه، ينصح معدّ التقرير الولايات المتحدة بالنظر إلى هذا الواقع لا على أنّه مجرد «تهديد»، بل مؤشر إلى الشكل الذي يجب أن تتخذه الخطط الأميركية لإدارة سياسات سوريا ما بعد الحرب، بشكل يؤدي إلى «نتائج أفضل للشعب السوري والمنطقة ودول مثل الولايات المتحدة التي تبحث عن السلام المستدام في الشرق الأوسط».
ومن جملة النقاط التي تشملها خطط «المستقبل الأميركي الأفضل» لسوريا، الاستفادة من «الأخطاء» التي ارتكبتها واشنطن في بلدان مثل العراق مثلاً، عندما فشلت في تمويل الأحزاب السياسية العراقية، ما دفع ببعضهم إلى «أخذ أموال من إيران، والبعض الآخر إلى الانخراط في الفساد»، واللجوء أيضاً إلى ما تبرع فيه جيداً، وهو «تعزيز تنمية القيادات المستقبلية في سوريا»، لا سيما عبر «تمويل نظام قوي لاستطلاعات الرأي» للاستناد إليها. وفي إطار الدعوات إلى التدخل العلني في الانتخابات، ينصح مراقبون صناع السياسة في الولايات المتحدة بعدم «ترك ملف الانتخابات في يد الأمم المتحدة وحدها»، نظراً إلى أنّ عملية الانتخاب تتطلب «تحليلاً دقيقاً، لا من قبل المسؤولين المحايدين فحسب، بل أولئك الأكثر دراية بالسياسة الداخلية السورية». وبناءً على وجهة النظر تلك، تحتاج واشنطن إلى أن تكون «مستعدة للتدخل مع حلفائها ومع الأمم المتحدة للتأكد من أن النظام الانتخابي سيمنح الشعب السوري أفضل فرصة ممكنة لمستقبل مستقر وسلمي».
إلى ذلك، يجب على واشنطن أن تنقل شروطها، بشكل واضح، إلى «هيئة تحرير الشام»، حول المحظورات «المهمة» بالنسبة إليها، والتي من شأن خرقها أن يعرّض «آفاق المساعدات الأميركية»، وجهود رفع العقوبات «للخطر». كما يجب على الولايات المتحدة وحلفائها «إعطاء الأولوية لإبقاء توزيع المساعدات خارج سيطرة الجماعات المتشددة»، استناداً إلى الذريعة نفسها التي لجأت إليها في غزة، والتي أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.